أقلام حرة

لا معنى للجهوية في ظل استمرار الوصاية على المواطن وتغييب ارادته

مقال سابق للمعتقل السياسي الاستاذ محمد جلول

الوصاية اكبر عائق للديمقراطية والتنمية،وأكبر انتهاك لحقوق الإنسان ولكرامته

كثيرة هي النقاشات التي تثار حول اعطاب الجهوية ببلادنا وفق النموذج الذي قامت الدولة المغربية بتنزيله على اساس مرجعية دستور 2011،ولماذا المواطن لا يحس بآثارها ولم يلمس أي تغيير حقيقي بين ما قبل تنزيل هذا النموذج وما بعده،رغم اقتراب اكتمال عقد من الزمن على إطلاق هذه التجربة،وهذا عكس ما وعدت به الخطابات الرسمية على أن تجعل من هذا الخيار أساس الإصلاح العميق لهياكل الدولة وتحديثها لكي تستجيب للمطالب الديمقراطية والتنموية لشعبنا؟ولكن للأسف جل هذه النقاشات إما تتحاشى او هي عاجزة على النفاذ إلى العمق المطلوب إذ تبقى تحوم على السطح مكتفية او غير قادرة سوى على رصد بعض الأعراض الجانبية والملاحظات الجزئية التي لا يمكن من خلالها وضع الأصبع على لب الاشكالية.
-ان تعثر التجربة الجهوية ببلادنا لا يمكن اختزالها فقط في المسألة التدبيرية كما تذهب الى ذلك جل النقاشات من دون ان يعني ذلك استبعاد هذه المسألة كإحدى العوامل في هذا التعثر،لكن جوهر الاشكالية قبل ذلك يتمثل في تغييب ارادة المواطن الذي من المفروض ان يكون الاساس والغاية من الجهوية،حيث انه اذا كان قيام لا مركزية واسعة بجوهر ديمقراطي في خدمة التنمية هو الشعار الذي رفعته الدولة في اختيار الجهوية،فإنه لا معنى ولا جدوى لأية تنمية من دون الاعتراف المسبق بإنسانية الإنسان ككائن قائم بذاته وكمشروع وجود له كيان ووعي وارادة وطموح،وتاليا ضرورة احترام خصوصياته وارادته،وتمكينه من تقرير مصيره وتقرير تنميته التي يريدها.
-لقد كان هذا التغييب واضحا منذ البداية عندما تم تعيين هيئة استشارية مركزية قامت بإعداد مشروع التقطيع الترابي للنموذج الجهوي،بإعتماد الخريطة والمسطرة والقلم،في ظل غياب أية معايير تأخذ بعين الاعتبار إرادة أهالي الجهات والمناطق الوطنية،وخصوصياتهم الثقافية التاريخية،لقد كان من نتائج هذه المقاربة المركزية تقطيع أوصال الجهات التاريخية والعبث بها وفق مزاجية السلطة المركزية وحساباتها الامنية والانتخابية،على سبيل المثال تم فصل الريف الشرقي وأجزاء من الريف الجنوبي عن باقي الريف الكبير وإلحاقها بجهات أخرى،وذلك ضدا عن الوحدة الجغرافية والثقافية والتاريخية لهذا الكيان الجهوي التاريخي،وكذلك الأمر حدث للجهات التاريخية الأخرى المشكلة للوطن المراكوشي.
-ولم يتوقف الأمر إلى هذا الحد،فبعد مدة طويلة من الانتضار ستعمد الدولة إلى نفس المقاربة المركزية في إصدار الإطار القانوني الذي سيتم اعتماده لتدبير هذا التقطيع الترابي وفي ظل تغييب تام للمعنيين بالأمر الذين هم ساكنة الجهات،وسيتضح ان هذا القانون التنظيمي لا يتعدى كونه تصريفا لمجموعة من المهام والاعباء المركزية وإلقائها على كاهل هذه الوحدات الترابية من دون ان يكون لها أي مضمون لا مركزي أو ديمقراطي حقيقي،في ظل الوصاية المركزية المفروضة على تسيير هذه الجهات ومحدودية صلاحياتها وكذا اختصاصاتها،خاصة مع إبقاء جل القطاعات الحيوية وعلى رأسها التعليم خارجة عن اختصاصاتها ويستمر تقريرها وتدبيرها من المركز،هذا فضلا عن الموارد المحدودة والمحددة مركزيا…إلخ.
-وهكذا فمن الطبيعي ان لا يحس المواطن بآثار هذه الجهوية لانه يرى ويشعر أن ليس له اي دور ارادي فيها،لقد تم إفراغها من مضمونها الحقيقي الذي هو تمكين المواطنين من المشاركة في تقرير مصير بلدهم،وجعلهم في صلب التنمية من اجل الاسهام في بناء مجالاتهم وإنمائها،حيث لازال ينظر إليهم كرعايا وككائنات قاصرة لا رأي ولا شخصية لها،يتم تقسيم مجالاتهم الترابية كما لو أنهم قطعان من الماشية من دون إعارة أدنى اعتبار لاختياراتهم أو لخصوصياتهم، كما انه لازال يتم مقاربة التنمية بمفهومها القديم الذي تجاوزته الشعوب المتقدمة،حيث لازال ينظر إلى الإنسان كموضوع وأداة للتنمية بدل ان يكون هو من يقرر التنمية التي يريدها.
-فدور المواطن في أغلب الحالات شكلي لا يحتاج إليه إلا لإضفاء طابع الشرعية،وفي احسن الأحوال هامشي تنفيذي،إذ لا يتم المناداة عليه للمشاركة السياسية إلا بعدما يتم تقرير كل شيء من المركز ووفق ما يريده المركز،في مقابل الإقصاء والتهميش والحرمان الذي يعيشه المواطن،وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
-إن الجهوية كفكرة وفلسفة للحكم انبثقت وتطورت في خضم النضالات والتجارب لدى الشعوب المؤمنة بحقها في تقرير مصيرها،انطلاقا من مبدأ المساواة بين الإنسانية وأنه لا يحق لأحد أن يفرض وصايته على أحد آخر أو يقرر مصير محله،وتاليا ضرورة القطع مع كل أشكال أنظمة الحكم العتيقة التي تنظر إلى الشعب بمنطق الرعية أو التي تعكس سلطاتها المركزية ارادة العشيرة الحاكمة على حساب إقصاء باقي مكونات الشعب وفرض الوصاية عليها.
-إنها حاجة ديمقراطية لإقامة نظام عادل يمثل بشكل فعلي ارادة المواطنين بمختلف مكوناتهم الثقافية والجهوية،حيث أن تحقيق غاية حكم الشعب بنفسه يكون فيه هو صاحب السيادة ومصدر للسلطة،نقترب منها عندما تبدء الديمقراطية من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس،أي عندما يتم تمكين المواطنين من حكم أنفسهم في مناطقهم وجهاتهم والمشاركة في تقرير مصير وطنهم،وحقهم في وجودهم الثقافي.
-وبالمقابل فإن الوصاية المركزية تشكل اكبر عائق لتحقيق الديمقراطية والتنمية حيث تسلب إرادة المواطنين،وتحول دون تحقق الرشد والخروج من حالة القصور،فالوصاية وإستئثار المركز بالقرار وبكل المبادرات تعطل القوى والقدرات الكامنة وتمنعها من ظهورها،إنها تفقد الشعب المقدرة على التنظيم الذاتي والإحساس بالمسؤولية،وتعطل لديه روح المبادرة وتمنع من ولادة مجتمع مدني قوي.
-و الوصاية فوق ذلك اكبر انتهاك لحقوق الإنسان ولكرامته،لأنها إحتواء لكيانه،وسلب لإرادته ولإستقلاله الذاتي،ومنع من تقرير مصيره وصناعة وجوده،ومنع لتفتحه ولتفجير قدراته…إنها بكل إختصار نفي لوجوده بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى،ولذلك فالمجتمع الدولي أجمع ومنذ مدة طويلة على رفضه لكل أشكال الوصاية على الشعوب أو إلغاء حقوقها الثقافية،ودعا كل البلدان التي مازالت لديها أقاليم ومناطق تحت وصايتها الى العمل كل ما في جهدها من أجل رفع هذه الوصاية وتمكين هذه المناطق والاقاليم من حقها في الحكم الذاتي،وقد تم التنصيص على هذا الأمر في العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق المدنية والسياسية.
محمد جلول البطيوي

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock