دراسات وأبحاث

لعنة مدريد وأفول الدولة في الريف

القجيري محمد

مقال بتاريخ 2013 / 4 / 18

تحل علينا اليوم لعنة أخرى من لعنات خمسينيات القرن الماضي التي اكتمل فيها العام السابع والخمسون لاحتلال (المغرب) للريف في عام 1956. فاللعنة ثم اللعنة على 17 أبريل من عام ستة وخمسين وتسعمائة وألف؛ مناسبة الذكرى السيئة الذكر، كانت اتفاقية/لعنة مدريد بتاريخ 17 أبريل 1956 المؤسسة لدولة الاحتلال الجديدة على الأراضي الريفية عندما أقدم الحكم الفرنكاوي باسبانيا على توقيع تصريح مشترك مع الحكم العربي في المغرب تم بموجبه، لأول مرة، احتلال المملكة العلوية لأرض الشعب في الريف بدون سلطة، وضم أراضيه التي كانت تحت النفوذ الإسباني إلى “منطقة الحماية الفرنسية” سابقا. وليس هناك أدنى شك في أن الذي مهّد لهذا الاحتلال المغربي للريف كانت هي اتفاقية سيل سان كلود الفرنسية بتاريخ 02 مارس 1956 بين جماعة الرباط وباريس في تصريح استعماري مشترك، ألغيت بموجبه “الحماية” للقصر المغربي بعدما تم تقوية الأقلية العربية الحاكمة على حساب إضعاف الغالبية العظمى من الأمازيغ وتدمير كل الأنظمة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية للقبائل الأمازيغية التي شكلت عبر التاريخ عناصر القوة والمناعة والمقاومة للمجتمع الأمازيغي، كتب أوكتاف مرياس، يقول: “كان العالم الأمازيغي بعد الاستقلال منقسما أكثر مما كان عليه سنة 1912”. والواقع إن هذا الوضع، قد عجل بسقوط القناع عن الصفقة المخزنية-الفرنسية من نظام الحماية في تقاسم الفرنسنة والعوربة بالنسبة لكل الأنظمة السياسية والثقافية والاقتصادية المرتبطة بقوة الحديد والنار بالقبيلة العلوية العربية المتسلطة على الريف وعلى مراكش (المغرب حاليا دون الريف المحتل).
وبالطبع، فقد انكشفت معالم هذه السياسة الفرنسية-المخزنية في المفاوضات الاستعمارية التي جمعت بين الحركة المغربية والحكومة الفرنسية في محادثات إيكس ليبان السيئة الذكر في ضواحي باريس، والتي جرت أطوارها ما بين 22 و28 غشت من سنة 1955 للبحث عن شروط وملامح التبعية الشاملة لفرنسا وما ارتبط بها من كواليس ليبان التآمرية على اسبانيا على حساب ضم الأراضي الريفية إلى المملكة المخزنية في المغرب، وهو ما تبلور فعلا في “الفخ” الذي سقطت فيه الحكومة الإسبانية بتاريخ 03 مارس 1956 عندما أصدر الجنرال فرانسيسكو فرانكو وعدا يمنح للمغاربة سلطة مطلقة على الريفيين تحت ضغط فرنسي، والتزاما بمضامين البنود التي نص عليها نظامي “الحماية” في الريف ومراكش سابقا، والذي ندم عليه الأسبان كثيرا في أواخر الخمسينيات.
وهكذا، ففي يوم 17 أبريل من عام 1956 استفاق الريفيون ومعهم كل أحرار العالم الذين كانوا يدعمون القضية الريفية على لعنة مدريد، إثر تواطؤ الأجندات الاستعمارية والرجعية على الريف بدون دولة، ليولد فوق أراضيها الطاهرة بدماء شهداء الجمهورية، كيان استعماري قذر ومشؤوم ولقيط؛ بولادة قيصرية وغير شرعية هو الكيان المخزني المغربي.
إذن بمقتضيات 17 أبريل الملعونة، سيوضع حدا “للحماية” الأسبانية في “المنطقة الخليفية” بالريف، ويتم بموجبه تسليم الأراضي الريفية إلى الكيان المخزني كمستعمرة جديدة تنضاف لأول مرة إلى نير الطاغوت المخزني بقوة البطش والغدر الدولي وما ارتبط بها ونتج عنها من سياسة التهجير والسيطرة على الأرض ومقدرته والاستطان وترهيب الشعب الريفي…
وبطبيعة اللعنة هذه، كان رد حركة المقاومة الريفية عنيفا ومدويا من قمم جبال الريف في شخص أعضاء جيش التحرير والمقاومة الشعبية ضد الجماعة المتآمرة على أجدير من باريس ومدريد، التي باعت الوطن الريفي إلى حفنة من مرتزقة الرباط وفاس وما جاورهما من “المغرب لنا لا لغيرنا”؛ ولا ارتباط لنا، بالبت المطلق، بإرهابيو الحركة المغربية، الذين كانوا يقولون للفرنسيين إذاك: “لا علاقة لنا بالإرهابيين” في إشارة إلى أبطال جيش التحرير الريفي الذين كانوا يعسكرون في الحدود الجنوبية للريف مع المغرب، ويوجد مقال منشور في جريدة فرانس سوار يتضمن ما صرح به أحد إرهابيو حزب الاستقلال إلى الجنرال كونيك، وزير الدفاع الفرنسي-المغربي آنذاك.
وجرى التأكيد كذلك ولأكثر من مرة على خيار المعارضة الشرسة ضد هذه الجماعة المغربية المتعفنة في الريف من طرف منفيو الريف بصدد هذا الاحتلال الجديد، وعلى الأخص من الرئيس الجمهوري للريف محمد بن عبد الكريم الخطابي، فقد كان رده سريعا وشديد اللهجة حيث شن هجوما عنيفا وقويا على المتآمرين على شعب الريف ومراكش ووصفهم بالخونة وبالعملاء لفرنسا. ليس هذا فحسب، بل دعا كل الحركة الريفية على وجه التحديد، للثورة على تلك الجماعة المغربية المتسلطة على البلاد الريفية وعلى الريفيين؛ تلك الجماعة المستفيدة من موائد مدريد وباريس.
وارتباطا دائما بحدث 17 أبريل المشؤوم الذي أعلن من خلاله الديكتاتور الإسباني فرانكو عبر تصريح مشترك مع القصر المغربي بتسليم سلطته في الريف إلى المملكة العلوية “الشريفة” بعد مرور عشرة أيام بالتمام والكمال على صدور التصريح المشترك “العلوي-الفرنكاوي” الآخر الذي أكد اعتراف الجمهورية الإسبانية بالسيادة المغربية التامة على الأراضي الريفية في الشمال وتم بموجبها رسم خريطة المناطق الريفية التي يشملها نظام الاحتلال المغربي مع استثناء بعض المناطق الخاصة التي تم تأجيل النظر فيها باستئناف المخابرات الموالية مع الجماعة المستفيدة من موائد مدريد وباريس؛ تلك الشرذمة التي قال عنها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إن “هذه الجماعة باعت الكرامة والشرف والوطن وسلمت البلاد لطائفة قليلة من المستعمرين بثمن بخس هو تلك المناصب الزائفة والحقيرة المهينة”.
ولما تمكّن المستعمرون الجدد -كما كانوا يسمّون آنذاك من طرف الريفيون- من فرض السيطرة والهيمنة وإحكام قبضة يدهم على معظم أجزاء المنطقة الريفية شمال المحمية الفرنسية بموجب لعنات مدريد، بدأت الدولة العربية الناشئة في مراكش (المغرب) تسلك سياسة القمع والبطش المطلق والإرهاب في حق أهالي الريف، وكانت البداية بتصفية المقاومون وأعضاء جيش التحرير بعدما رفض مقاتلو الريف الانضمام للجيش المغربي الاستعماري رغم كل الإغراءات والتهديدات، وأصروا على حمل السلاح حتى تحرير كل الوطن الريفي الجريح، وباقي البلدان المحتلة في شمال أفريقيا تطبيقا لخطة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي من منفاه بالقاهرة.
صحيح إن وجود الميليشيات المغربية الاستعمارية والتي كانت ترعب كل أفراد الشعب صغاره وكباره في الريف كان قبل اتفاقية الخزي والعار بمدريد. ومع نجاح العلويين في القضاء على جيش التحرير الشعبي في الريف، بدأت هذه الميلشيات الاستعمارية من تكثيف حملاتها الارهابية لتصفية كل الرموز والشخصيات الوطنية الريفية ذات الصلة والعلاقة بالزعيم المنفي محمد بن عبد الكريم الخطابي، كما هو الحال مع اختطاف المقاوم الريفي حدو أقشيش الذي لايزال إلى يومنا هذا مجهول القبر، والحال نفسه بالنسبة لكل حامل للمشروع الجمهوري للريف، ما بعد مأساة مدريد، الذين كانوا يتعرضون للمطاردة والاختطاف والاغتيال من طرف العناصر الداخلية والإرهابية بالمنطقة؛ فكثر الشهداء كما كثر المعتقلون والمختطفون السياسيون الذين كانوا يملئون السجون والمعتقلات الرهيبة للأحزاب المغربية الارهابية وعلى الأخص جحور حزب الاستقلال وحزب الاصلاح الوطني بالإضافة طبعا لكهوف وسجون القصر العلوي.
وبوجه عام، فإن النتائج المترتبة عن اتفاقية مدريد كانت مأسوية بكل المقاييس على الريف، مثلت بعضها في سياسة القمع والإرهاب والتسلط وسياسة التهجير والميز العنصري وإذلال الريفيين من العنصرية والإبتزازات المتكررة والاغتصاب والتعذيب الذي انتهجها المستعمرون الجدد ضد الأهالي في الريف، فكانت المئات من الجرائم السياسية ومئات الاغتيالات والاختفاء القسري والآلاف من الاعتقالات والإحتجازات والسرقات والتحرشات والتعنيفات الجماعية وعشرات الآلاف من الشهداء الذين سقطوا خلال الثورة في أواخر الخمسينيات على يد جيش المستعمر المغربي بقيادة الحسن الثاني.
بمقتضيات اللعنة القادمة من مدريد إذن، كتب على الريف أن يعيش سنواته الأولى من الحكم المغربي الغاشم أبشع أشكال الاضطهاد والارهاب والاحتلال بعد صدور وثيقة الصفقة الملعونة التي جمعت توقيعيي محمد الخامس وفرانكو والتي على إثرها تم إلحاق الوطن المصادر في التراب المغربي، وبموجبه سيطر المستعمرون الجدد كليا على بلاد الريف بعدما سبق أن وضع التحالف الاستعماري المشكل في القرن العشرين من فرنسا واسبانيا والبيدق المغربي حدا لطموح الريفيين في إرساء مشروعهم المجتمعي الجمهوري. فكان الأفول داميا لمشروع الدولة بعد لعنة مدريد في الريف. كان القمع عنيفا. حدثت إبادة جماعية للريف بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وبكل تبعاتها المعجمية والدلالية. بقيت موشومة في الذاكرة الجماعية للريفيين تأبى النسيان من ثنايا هذه الذاكرة. بل قطيعة طويلة الأمد وطلاق بائن مع نظام المغرب، كانت هي الأساس التي تؤثر من بعيد على الحاضر السياسي للريف كنزوع تاريخي للريفيون/ات نحو الجمهورية؛ نحو وطن غير مصادر ضمن ريف ذات دولة، لا خاضع لأحكام الإستعمار.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock