دراسات وأبحاث

لماذا يطالب المغرب باسترجاع أرشيف “أسد الريف” عبد الكريم الخطابي من فرنسا؟

أسامة باجي

يعود إلى المغرب نقاش الحفاظ على الأرشيف، خصوصاً المرتبط منه بذاكرة المقاومة الشعبية ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني، والمطالبة باسترجاعه، إذ تعالت الأصوات مطالبةً باسترجاع أرشيف محمد بن عبد الكريم الخطابي الملقب بـ”أسد الريف”، وهو قائد معركة أنوال يوم 22 تموز/ يوليو 1921، التي أذلّت الإسبان، وقائد مقاومة الريف التي احتاجت إلى تظافر مجهود القوى الاستعمارية والفرنسية للقضاء عليها. ويُعرف الخطابي في الريف أيضاً بـ”مولاي مُوحَنّد”.

مطالب متجددة

وقد طالب المغرب السلطات الفرنسية باسترجاع أرشيف المجاهد المغربي الراحل عبد الكريم الخطابي، الذي تتوفر عليه فرنسا، وذلك من خلال مذكرة كتابية توجه بها المجلس الوطني لحقوق الانسان  (مؤسسة حكومية)، عن طريق السلك الدبلوماسي، إلى الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي التابع لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية، وطالب المجلس الذي ترأسته أمينة بوعياش، باسترجاع المغرب أرشيف المرحوم عبد الكريم الخطابي، في إطار جهود الحفاظ على الأرشيف الوطني والذاكرة المغربية الجماعية.

مراسلة المغرب جاءت دعماً لطلب في الموضوع، سبق أن وجهته مؤسسة أرشيف المغرب للأرشيف الدبلوماسي، من أجل استرجاع الوثائق الأصلية لمحمد بن عبد الكريم الخطابي التي في حوزتها، بعد أن استحوذت الجيوش الفرنسية عليها سنة 1926، عقب هزيمة قبائل الريف التي كان يقودها الخطابي.

طالبت مؤسسة رسمية مغربية فرنسا بإعادة أرشيف محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي يعتبر قائداً عسكريا فذا وبطل معركة أنوال التي أذلت الاستعمار الإسباني

وتأتي المراسلة، المطالبة باسترداد جزء مهم من ذاكرة المغرب في القرن العشرين، في سياق المبادرات المشتركة بينه وبين “أرشيف المغرب”، المؤسسة الحكومية الرامية إلى النهوض بالأرشيف الوطني، خاصةً في إطار “وحدة حفظ الذاكرة والنهوض بالتاريخ المغربي بكل روافده”، المحدثة (المستحدثة) لدى مجلس حقوق الإنسان، وحفظ الذاكرة الجماعية محور مهيكل في عمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان. كما يشير المجلس الحكومي إلى أن للأرشيف الوطني، بالإضافة إلى قيمته الرمزية، أهميةً بالغةً في توطيد دولة الحق والقانون، وفي قراءة الأحداث التاريخية، خاصةً ما يتعلق منها بتاريخنا الراهن.

من أجل متحف الريف

قال الناشط الجمعوي والباحث الأكاديمي في ذاكرة الريف، شكيب الخياري، في تصريح لرصيف22، إن مبادرة استرجاع أرشيف الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي مبادرة لمؤسسة “أرشيف المغرب”، قد دعمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهي لاسترجاع الوثائق التي تم حجزها من طرف قوات الاحتلال الفرنسي سنة 1926، في بلدة تارجيست الواقعة اليوم في إقليم الحسيمة (شمال شرق).

الأمر يستدعي بالضرورة تحركات من طرف المجتمع المدني للضغط على الحكومة الفرنسية لتسليم الأرشيف، لأنه يشكل جزءاً من الذاكرة الوطنية المغربية

وقال الباحث إن البداية كانت حين رغبت مؤسسة أرشيف المغرب (مؤسسة حكومية)، في الاحتفاء بالذكرى المئوية لمعركة أنوال في الريف، وراسلت المؤسسة الفرنسية لتمكينها من عرض أجزاء من هذا الأرشيف للعموم، لكن فرنسا لم تقبل وتمت المماطلة في الرد.

يقول الخياري، إن الأمر يستدعي بالضرورة تحركات من طرف المجتمع المدني للضغط على الحكومة الفرنسية لتسليم الأرشيف، لأنه يشكل جزءاً من الذاكرة الوطنية المغربية، وكذلك هو الشأن بالنسبة إلى إسبانيا التي ما تزال بين يديها بعض المحجوزات، وإن كانت تشكل ذاكرةً مشتركةً إلا أنه يمكن الاستفادة منها بشكل مشترك عبر التقنيات الحديثة لكن على أساس أن يكون الأصل في المغرب.

يضيف المتحدث من جانب آخر: يجب على المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن يسارع الزمن من أجل إحداث متحف الريف الذي جاء بمبادرة ملكية سنة 2011، على أساس أنه من المفترض أنه يساهم في حفظ جانب مهم من ذاكرة منطقة الريف خصوصاً، والمغرب عموماً.

تصفية للإرث الكولونيالي

من جهته، يشير المحلل السياسي خالد البكاري، في تصريح لرصيف22، إلى أن مطالبة المغرب باسترجاع أرشيف الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي من الدولة الفرنسية، منطقية، فضلاً عن شرعيتها، لأنها تدخل في إطار تصفية الإرث الكولونيالي (الاستعماري)، وبالرغم من تأخر هذه الخطوة، إلا أنه لا يمكن سوى تثمينها. غير أنه يجب في المقابل كذلك الكشف عن كل الوثائق المرتبطة بالأمير الخطابي والحرب الريفية التحريرية الموجودة هنا في المغرب، من أجل “إعادة كتابة جزء من التاريخ الراهن بموضوعية وبإنصاف، وباحترام للحقيقة والذاكرة”.

وأشار المتحدث إلى أن هذه الإجراءات يجب أن تأتي في إطار شمولي يضمن إعادة المكانة الاعتبارية للمقاومة المغربية للاستعمار، ووفق رأيه فإنه من “الضروري ترميم مقر قيادة حركة التحرير الشعبية في الريف، الذي أصبح أطلالاً مهملةً في أجدير قريباً من الحسيمة، واستكمال مشروع تشييد متحف للذاكرة في الحسيمة، واسترجاع رفات الأمير من القاهرة ليُدفن حيث دُفن شهداء هذه الحرب التحريرية”.

قائد عسكري ملهم

قاد عبد الكريم الخطابي أشهر معركة هزم فيها الإسبان في معركة سُميت بـ”ملحمة الـ18 بندقيةً”، إذ ألحقت هزيمة نكراء بجيوش الإسبان التي قُدِّر عددها بنحو 360 ألف مقاتل، فضلاً عن العتاد من دبابات وطائرات من أحدث الصناعات الحربية حينها، إلا أنه وبالرغم من كل هذا، جعل الأمير الخطابي سمعة إسبانيا في تراجع كبير عقب الهزيمة.

وقد كلفت المعركة التي اندلعت في 21 تموز/ يوليو 1921، إسبانيا، أحد أشهر قادتها العسكريين الذي حشد نحو 24 ألف جندي، فضلاً عن العتاد العسكري المتطور وانطلق نحو بلدة أجدير لإخضاعها، لكن الخطابي عمد إلى استدراجهم وهاجم بمعية جنوده، جنوده من جميع الجهات ليقطع على الإسبان كل الطرق، وهو ما كلف الجيش الاستعماري خسارةً قُدّرت بنحو 15 ألف قتيل، و570 أسيراً، كما استولى المغاربة على الكثير من العتاد العسكري.

يقول عبد الكريم الخطابي، الذي كان من أوائل من لجأوا إلى حرب العصابات في الحروب ضد القوى الغربية، في مذكراته، متحدثاً عن معركة أنوال: “ردّت علينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 و65 و77، وأزيد من 20،000 بندقية، ومقادير لا تُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتمويناً كثيراً يتجاوز الحاجة وأدويةً، وأجهزةً للتخييم، وبالجملة بين عشية وضُحاها، وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشاً، ونشنّ حرباً كبيرةً، وأخذنا 700 أسير، وفقد الإسبان 15،000 جندي ما بين قتيل وجريح”.

في سنة 1925، استشعرت فرنسا الخطر القادم من الريف، وهو ما سيدفعها للتحالف مع الإسبان في شمال المغرب حيث استخدمت فرنسا وإسبانيا الأسلحة الكيماوية الممنوعة في الحروب والمحرمة، للإطاحة بالخطابي، ولتبدأ قوته بالتراجع شيئاً فشيئاً ويخسر نحو 20 ألف جندي سنة 1926، وهو ما سيدفعه لتسليم نفسه بعد نفاد العتاد وقلة الجنود وكذا خوفاً على أهل المنطقة، لتنفيه السلطات الفرنسية إلى جزيرة منعزلة في المحيط الهادي، ثم يعود الأمير بعد سنة 1947، إلى مصر بعد طلبه اللجوء ليعيش بقية حياته فيها إلى أن توفي سنة 1963.

المصدر :رصيف

الوسوم