أقلام حرةدياسبورا

ما علاقة ارتباطنا الشديد بالمساجد ، بالفوضى والمشاكل والخلافات التي تحدث فيها ؟

محمد بوتخريط

لنتفق اولا على انني هنا لا اعمم ، واعترف انني لست محللا دينيا ولا باحثا اجتماعيا، حتى أخوض في مثل هكذا مواضيع ، إنما هي فقط تساءلات ترافقها آراء واستنتاجات قد توافق الصواب وقد تجانبه… وسؤال كبير يحيرني ، مداره هذا الصراع والخلاف الواسع الذي تشهده بعض المساجد هنا وخاصة منها مساجد المغاربة ، بل ليس فقط هنا في هولندا ، اعتقد انها ظاهرة اصبحت تشكّل اليوم قاسمًا مشتركا في مساجد كثيرة هنا كما هناك في البلد ؟

رغم كل هذا الحرص على بناء المساجد وإنفاق الغالي والنفيس في سبيل ذلك، إلا أن الخلافات تؤثث جانبا كبيرا داخل هذه المساجد .
قد أستطيع الجزم أنه لا يوجد شعب على وجه الأرض ينفق في سبيل بناء المساجد أكثر من المغاربة، مبالغ خيالية بالملايين ينفقونها بسخاء لبنائها.. هو واقع، تتناسل حوله أسئلة كثيرة …
ما علاقة هذا الارتباط الشديد بالمساجد ، بالفوضى والمشاكل والخلافات التي تحدث فيها ؟
هل كل هذا الحرص على بناء المساجد وإنفاق الغالي والنفيس في سبيل ذلك ، هو فقط من أجل ان نتصارع فيها ؟ ام هو حرصهم على التدخل في شؤون هذه المساجد ومعرفة كل ما يجري حولها أو بداخلها،هو من يولد هذه الصدامات والصراعات والمشاكل التي أصبحت ملازمة لها إلا ما عصم ربي.؟
والا فلماذا توجد هذه الخلافات أصلا في هذه المساجد ؟ وما هي نقطة المصلحة أو الخلاف التي تدور حولها هذه الخلافات ؟…

أسئلة كثيرة تجول في الخاطر، تطرح نفسها بإلحاح ويعسر إيجاد إجابة مقنعة لها … والظاهر أن لا نفع من كبحها… فهي معنا منذ سنوات، ومنذ عقود، وستظلّ تحوم فوق رؤوسنا..

و من المفارقات الغريبة والمثيرة أن الأصل في هذه المساجد ‘أنها بيوت الله ، فيها يتم إرشاد الناس إلى صالح الأعمال بالتآلف والمودة لتحقيق أهداف التكافل الاجتماعي وتمتين نسيج المجتمع وحفظه ووقايته من عوامل التفكك والفرقة ‘، لكن للأسف الشديد تحولت بعض هذه المساجد ( وانا هنا طبعاً لا اعمم ) إلى حلبات للخلافات و للصراعات بين بعض المصلين .تارة فيما بينهم و تارة بينهم وبين اللجان التي تسير هذه المساجد وفي تارات أخرى بين هذه اللجان والإمام …هذه اللجان التي تحاول احيانا ومن موقع بعضا من اختصاصاتها ان تلعب دور الوساطة لتدارك بعض الامور او للصلح رغم أنها -احيانا- هي نفسها التي تتحوّل إلى رحى يخرج من حجارتها طحين الخلافات، وينتهي إمّا بالصلح الداخلي أو بحلّها، أو بتغيير إمام المسجد، حسب طبيعة الخلافات ونتائجها، ما يجعل الاختلاف حول هذه اللجان قائما ، وهذا من أكثر أسباب الاختلاف في هذه المساجد بل وأشدها…هذا طبعا، ناهيك عن حرص بعض رؤساء المساجد على البقاء في مناصبهم وإن كانت فئة كبيرة من الجماعة ليست راضية عن بقائهم ولاسباب مختلفة ،إما لعدم كفاءتهم وإما لطول المدة التي أمضوها على رأس المسجد أو لأسباب أخرى قد يكون أصحابها محقين فيها أو مبطلين.. وطبعا ، و في غياب ثقافة الصندوق والاحتكام إلى رأي الأغلبية، يحاول كل فريق التشبث برأيه والانتصار له ، ولو بطرق غير شرعية ولا قانونية، كالصراخ والتهديد وتلفيق التهم..وهلم جرا..

هي خلافات قد تختلف اسبابها، لكن المشترك فيها انها تصل احيانا الى انقسامات حادة بين “اجْمَاعَثْ ” بل بين زوار المسجد كذلك ، تُسبب التعصب والتفرقة، التي تصل في بعض الأحيان إلى حد السب والشتم بل والضرب كذلك و داخل المسجد…هذا ناهيك عن قلَّة احترام بعض المصلين لبعضهم الآخر وارتفاع الأصوات داخل هذه المساجد ، وارتباك الصُّفوف، فتتوالى بالتالي الإنقسامات والخلافات مما يدفع البعض من المصلين الى البحث عن أماكن ومساجد أخرى، ويدفع أخرين الى تكوين فرق ومجموعات داخل المسجد الواحد..
فتزداد الإنقسامات داخل المسجد الواحد ، مما ينعكس سلبا على تدبيره، خاصة وأن بعض هذه المساجد يسيطرعلى تسييرها أشخاص لا يحملون من العلم والثقافة إلا النزر القليل مما يجعلهم يفشلون في غالبيتهم في احتواء الامور ..كما في محاربة التطرّف والغُلو الذي انتشر في السنوات الاخيرة و بقوة في غياب التدبير الجيد ، وفي غياب البرامج والمشاريع التي تعد الإنسان المسلم المتشبع بالفكر الذي يدعو للتسامح والتعايش..

خلاصة الحكاية ، أن هؤلاء وبهذه الافعال والتصرفات ، يٍفرغون المساجد فعلا من دورها الحقيقي…و يعطون صورة سيئة جدا على المسلمين ، خاصة وأن هناك كثيرين من غير المسلمين ينظرون إلى الإسلام، ويحكمون عليه من خلال واقع المسلمين وحالهم، وبالتالي ، تنطبع في أذهانهم وفي تصوراتهم خلفيات سيئةٌ عن الإسلام وأهله بسبب ما يرونه من تصرفات وأفعال المسلمين وتشتتهم ..وعدد المسلمين هنا ليس بقليل ،فنسبة لا يُستهان بها يشكلها “المهاجرون” المسلمون هنا في دول أوروبا الغربية من إجمالي عدد السكان. فهنا في هولندا، بلغ عدد السكان المسلمين 1.210.000 نسمة، بنسبة 7.1% من إجمالي عدد سكان البلاد، وفقاً لآخر إحصاء نشرته مواقع الإحصاءات العالمية لعام 2016، وهي نسبة تتضمن الكثيرين من أبناء الأجيال الثالثة والرابعة والخامسة “للمهاجرين”.
فكيف لهذه الاجيال الجديدة أن تتفهم هذا الواقع المؤلم من الخلافات والصراعات داخل بيوت الله وتتقبله وهي التي تحمل في مخيلتها صورة مغايرة لدور المساجد في هذه المجتمعات والذي هو دور محوري، و ان هذه المساجد ليست فقط دُورا للعبادة تُمارس فيها الصلاة أو الدعاء … بل هي مجتمع متكامل التفاصيل، من عبادة وعمل وحياة اجتماعية بل ودراسية كذلك، وهي بكل بساطة الحياة بكل تفاصيلها…فيها تذوب كل الاختلافات بين الناس ، لكن للأسف الشديد تحولت بعض هذه المساجد إلى حلبات للخلافات والانقسامات بين المصلّين، وهي أمور تشعل فتيل الفتنة داخل بيوت الله، التي من مقاصد إقامتها جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم… وليس تشتيتها !

هي فعلا ، فوضى تشهدها بعض بيوت الله هنا ، تُفسد علاقات الود والأخوة، تتنافر لذلك القلوب، ويصبح سوء الظن وتبادل الاتهامات هو سيد الموقف، فلا مقصد الجماعة يتحقّق، ولا قيمة الأخوة الإيمانية تتعزز..!!
بل وقد تدفع هذه الصراعات والنزاعات الكثير من الناس إلى هجران المساجد والبعد عنها ..وأنا أحد هؤلاء. !!

وأما وإن كان هؤلاء يعتقدون انهم بافعالهم هذه وبمثل هذه الاعمال والتصرفات يريدون أن يغيروا شيئا ما .. فالتغيير الآمن والصحيح هو الذي يبدأ من داخل النفس، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) صدق الله العظيم.

الوسوم

مقالات ذات صلة