أقلام حرة

محمد أمزيان حكاية بيت مهجور

محمد أمزيان

هذا كل ما تبقى من بيت الوالد في أربعاء تاوريرت، يحكي سيرة قصة عظيمة لم يكتب لها الاكتمال.

بعد إطلاق سراحنا من معتقل الحسيمة أواخر عام ١٩٥٩ أو بداية ١٩٦٠ من القرن الماضي، أقمنا في هذا البيت لعدة أشهر وربما لأكثر من سنة، لأن بيتنا في آيث بوخلف كان قد تعرض للحرق والنهب والتخريب عقب فشل الانتفاضة. يتذكر الوالد ألسنة النار المشتعلة في بيته بآيث بوخلف، بينما هو مع مجموعة من رفاقه كان في ضواحي شقران يرى من منظار مُقرب ألسنة اللهب والدخان يتصاعد نحو السماء، والناس مجتمعين تحيط بهم عناصر من الجيش الملكي. وللحقيقة والتاريخ فإن المرحوم مولاي عبد الله شقيق ولي العهد آنذاك الأمير الحسن (الثاني) هو الذي أمر بإيقاف النهب والتخريب، قائلا: نحن جئنا لنبني ولم نأت لنهدم، بحسب ما سمعته من شهود عيان. وتبقى مسألة من أصدر أوامر الحرق غامضة. هل هي قيادة الجيش الميدانية آنذاك؟ هل هو ولي العهد؟ هل هو أوفقير الذي كان يشرف على عمليات الجيش الملكي في الريف ويشرف على التحقيقات مع المعتقلين؟ أم هي حماسة الناس لإظهار ولائهم للمنتصرين؟

على كل حال، لم نعد إلى آيث بوخلف إلا بعد أن قامت إحدى عماتي، المرحومة آمنة وزوجها المرحوم حمادي (باديش) أهباض بترميمه وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

لا أتذكر من إقامتي في بيت الوالد في أربعاء تاوريرت أي شيء. كنت طفلا صغيرا بلا ذاكرة، إلا أنني سمعت حكايات كثيرة عن ذلك البيت الذي شرع الوالد رحمه الله في بنائه قبيل قيام جيش التحرير في أواسط الخمسينات من القرن الماضي. ويذكر الوالد في مذكراته كيف خطرت له فكرة بناء ذلك البيت الطيني ليبتعد قليلا عن الأعين المتربصة به، والتي كانت تتعقب كل خطواته؛ سواء أعين الإسبان أو أعين الحزب العتيد. كان الوالد يمتلك غرفة في مدخل سوق أربعاء تاوريرت تعود لجدي الحاج سلام. وكان كثير من الناس يمتلكون غرفا في ذلك السوق يستخدمونها للاستراحة أو لخزن المواد الغذائية أو لعقد الاجتماعات والصفقات التجارية. وعلى الرغم من أن هذا البيت الطيني بناه الوالد على الطراز الريفي القديم، إلا أنه عمد إلى تبليط بعض غرفه ببلاط مغربي-إسباني بسيط: أبيض وأحمر، كما أنه أدخل إليه المياه الجارية عبر ساقية كانت تمر بمحاذاة طريق الحوافر القادم من جهة بيوت الشرفاء جنوبا.

ومن الصدف الجميلة أنه حينما دخلت مدرسة أربعاء تاوريرت عام ١٩٦٩، كنت أحيانًا، وخاصة في أيام الشتاء، أنام في هذا البيت الذي كان يسكنه أحد المخازنية مع أسرته، ويدعى المسطاسي الذي كان شخصا صارما ويرافق عمي المرحوم محمد حمادي أمزيان الذي كان يشغل آنذاك منصب خليفة القائد في قيادة أربعاء تاوريرت. كان المسطاسي يعاملني مثل فرد من أسرته، وكانت زوجته رحيمة معي ولا تفرق بيني وبين ابنتها. وبهذه المناسبة أوجه عرفاني لهذه الأسرة المسطاسية الكريمة.

قبل سنوات أصبح هذا البيت مهجورا تماما، وكلما زرته خلال العطلة الصيفية أشاهد الحالة المزرية التي يوجد فيها، وأعتقد أن ساكنة أربعاء تاوريرت من الجيل الحالي لا تعرف شيئا من تاريخ هذا البيت الذي قام بدور محمود أثناء التحضير لقيام عمليات جيش التحرير في مثلث الموت في كزناية.

هذه الصورة تعود للصيف الماضي، ويظهر أن أطلال البيت تسائل ذاكرتنا الجماعية: أهكذا يتم المصالحة مع الماضي؟ أهذا هو الإنصاف؟

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock