أقلام حرة

محمد أمزيان : لبيب فهمي: “لقد هزمنا المخزن والرفاق”

متابعة حراك الريف

هو من المعادن الريفية النادرة جدا. تعرفت عليه في بداية التسعينات من القرن الماضي خلال ندوة حول الأمير الخطابي في أمستردام أو روتردام. كنت مدعوًا للمشاركة بعرض عن الأمير، وكان لبيب ضمن الحاضرين يتابع باهتمام، ثم تدخل في فترة النقاش، وكان تدخله مقتضبا وله علاقة مباشرة بالموضوع، وليس مثل ذلك النوع من المداخلات التي تتحول إلى عرض داخل عرض. لا أتذكر جيدًا كيف جرى تعارفي معه في تلك المناسبة، ولكنني أعرف أنه ومنذ تلك اللحظة لم ينقطع التواصل بيننا إلى اليوم.
لبيب فهمي شخص متواضع جدا ومتمكن من أدوات الإعلامي الموضوعي الباحث عن الحقيقة دون تزييف أو تهويل أو مزايدات. حينما كان مراسلا للجزيرة في بروكسيل، كون علاقات على مستويات عليا، إلا أنه لم يحدث له أن فكر في استغلال تلك العلاقات الواسعة والمهمة لمصلحته الشخصية. وبحكم أنه كان يحب عمله فقط ولا يبغي من الإعلام لا الشهرة ولا الاغتناء، عكس الكثيرين من زملاء المهنة، فإنه ظل مهمشا، لكنه في الوقت نفسه عزيز النفس. ولعل عزة النفس هي رأسماله الحقيقي وليس ما كان يعرض عليه من أظرفة وهدايا لإنجاز ما لم يكن يقتنع به، أو لتلميع صورة جهة معينة. كانت القيمة الخبرية هي التي تقوده لإنجاز تقاريره المصورة للجزيرة ومواده الصحفية الأخرى لمختلف وسائل الإعلام الدولية مثل مونتي كارلو ودوتشي فيله وغيرهما.
وأذكر أنه خلال الفترة التي قضاها مع الجزيرة (أكثر من عشر سنوات)، أنجز عدة تيمات إعلامية حول الريفيين وعن الثقافة الأمازيغية في المهجر. ومن يعرف لبيب عن قرب، يدرك بسهولة مدى ارتباطه بالريف ثقافة وإنسانا وجغرافيا. ولعل هذا الارتباط هو ما جعل الصديق لبيب فهمي يخصص قسطًا مهمًا من أجرته الشهرية لاقتناء وجمع كل ما يصدر عن الريف، سواء أكان ذلك شعرًا أو موسيقى أو دراسات أو كتب أو روايات. وأكاد أجزم أن مكتبة الصديق لبيب تعد الآن واحدة من أهم المكتبات الخاصة، والغنية عن الريف في المهجر.
كان حلم لبيب فهمي أن يؤسس مركزا للدراسات الريفية في بروكسيل، يكون أولًا مصدرًا موثوقًا عن الريف، ويكون ثانيا محجا ثقافيا تنظم فيه الندوات العلمية لخلق تراكم معرفي وتوثيقي عن الريف يزود الباحثين والإعلاميين بالمادة الموثوقة والموثقة. إلى جانب ذلك، كان يحلم بتأسيس مركز حقوقي يتابع أوضاع حقوق الإنسان في الريف بصفة خاصة وفي المغرب بصفة عامة. هذا الحلم “الصغير”، كمًا كان صديقي يردد، لم يكتب له النجاح رغم محاولات عدة وضمن مبادرات أخرى كان لها بعض الصدى في السنوات الماضية.


لبيب فهمي يساري عن اقتناع، إلا أنه ومنذ تعرفي عليه، كان دائما يستحضر المكون الثقافي الأمازيغي/الريفي في يساريته، وهذا عكس العديد من اليساريين الذين كانوا يرون أن الاهتمام بالمكون “المحلي” من شأنه عرقلة النضالات على المستوى الوطني أو العالمي. وإذا كان أمثال هؤلاء اليساريين أصبحوا الآن من أشد المنافحين عن “المكون المحلي” في أدبيات اليسار، فإن لبيب بداية التسعينات بقي هو لبيب الزمن الراهن من حيث قناعاته السياسية والإيديولوجية.
ثم جاء الحراك.. انخرط لبيب منذ البداية في مبادرات دعم مطالب الحراكيين في الريف، ولكنه كان يمثل صوت العقل بعيدا عن الجعجعات والفقاعات، كما كان دائم الحضور في اللقاءات التي نظمت في اللجنة الأوروبية للتعريف بمطالب الريفيين. حينما حاورنا (لبيب وأنا) السيد ناصر الزفزافي في الحسيمة، وهو الحوار الذي نشر جزء منه في موقع أنوال.نت، كان لبيب صريحا ودقيقا في طرح بعض الأمور على مسامع ناصر ليكون على بينة من الصورة الواقعية للأشياء، ولكي يستعد أيضا لمفاجآت المستقبل.
بعد ذلك، أصيب لبيب بخيبة أمل كبرى، وبدأ تدريجيا ينسحب. “لقد هزمنا المخزن والرفاق”، يردد لبيب بحسرة حينما نتحدث عن المآلات؛ مآل الحراك، مآل اليسار، مآل النضال، مآل الريف.

تحية كبيرة لهذا الإعلامي الذي لا يعرف التطبيل ولا الرقص على حبال الولاءات التي تتغير كما تتغير البذلات المتسخة. أليس هو ابن الأستاذ علي فهمي الذي خبر السجون، وكان أحد أوائل المحامين في الحسيمة الذي فتح مكتبه لعائلات المعتقلين السياسيين.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock