أقلام حرة

محمد أمزيان: نتذكر الرجال حينما يغيبهم الردى ..

محمد امزيان

(هذه الكلمات كتبتها في حق المرحوم سعيد الخطابي في شهر ديسمبر 2007، وفيها استحضرت حسرة الغياب. المرحوم أحمد المرابط الذي غادرنا يوم أمس، حاضر في هذه الكلمة وكذلك المرحوم الهاشمي الطود .. رحم الله الجميع. ولعلنا نتعلم. الصورة تعود لعام 2010 في طنجة).
——
الأمير سعيد هو آخر أبناء الخطابي من الذكور يرحل عن هذه الدنيا مخلفا وراءه فراغا لن تعوضه المرثيات. كنا نبني آمالا عريضة من أجل الاستفادة منه ومن تراث والده النضالي، لاسيما أن يده كانت دوما ممدودة لمن يروم خدمة التاريخ النضالي للمغاربة دون إقصاء أو ترفع، وبعيدا عن المزايدات والبطولات الزائفة. لكن عوض الاتجاه مباشرة نحو الهدف، تكالبت على المرحوم موجة من المنتقدين والمشككين والمنقبين في تفاصيل آرائه الخاصة، والمروجين لمقولة مسمومة مفادها: لقد تمخزن سعيد مع موجة المتمخزنين!

والواقع أن الجري وراء تلك الشكليات والشبهات أضاع فرصة الاستفادة منه بشكل عقلاني بعيد عن التشنج وجلد الذات. ألم يرحل قبله عمر الخطابي؟ ألم يرحل قبلهما إدريس وعبد السلام وعبد المحسن وعبد المنعم وعبد الكريم وكل العائلة الخطابية .. كلهم رحلوا في صمت واكتفينا نحن بواجب العزاء منتظرين وصول نعي عائشة أو مريم أو منى أو …. أو الهاشمي الطود أو أحمد المرابط أو غيرهم من مكونات ذاكرتنا الوطنية المجاهدة!

إن رحيل سعيد الخطابي لا ينبغي أن يكون النهاية، بل بداية لتوحيد الرؤى حول تاريخ أجدادنا وإعادة الاعتبار لذاكرتنا، سالكين نهج والده في توحيد الريفيين على هدف نبيل هو الحرية والتعامل مع الآخر على قدم المساواة والاحترام المتبادل والعدل. يقول المرحوم سعيد عن والده: إن عبد الكريم كان رجل فطرة، “لا يفهم معنى الحياة إلا مع الحرية والكرامة والمساواة والعدل”.

يؤاخذ الكثير من المتتبعين للشأن الخطابي أن المرحوم سعيد كان ينهج سياسة المهادنة تجاه المخزن المغربي، وأنه من المناصرين للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وأنه مع سياسة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي (كذا)!! بل يذهب بعضهم إلى حد اتهام المرحوم “بالتآمر” على إقبار مؤسسة تحمل اسم والده في أجدير. غير أن السؤال الجوهري يبقى هو: هل “خان” سعيد تراث والده الذي هو تراث المغاربة كلهم، بل تراث الإنسانية جمعاء؟ هل ساوم عنه جهة أو جهات معينة؟ إن مقالاته المنشورة على أعمدة الصحف الوطنية ومحاضراته المهمة رغم قلتها تشهد على عكس ذلك تماما.

إن المرحوم قد تشبع حتى النخاع بمبادئ والده، فكان يجاهر بها كلما سنحت له الفرصة بذلك. كما أن الريف كانتماء وقضية ظل حاضرا بقوة لديه، وثابر على إعطائه مكانته على ساحة الشرف الوطنية رغم الضغوطات والإكراهات السياسية. فحينما شرع الناس يتحدثون عن المصالحة مع الريف، تنبه المرحوم سعيد الخطابي بحسه التاريخي إلى أن جوهر القضية هو انعدام الثقة بين الريف والمركز. إن “الدولة لا تثق في الريف والريف لا يثق في الدولة”. ويمضي الزمن بنتوءاته وندوبه ليكتشف الجميع صدق حدسه.

لم يكتف المرحوم بالتوصيف والنقد، بل اقترح خطوات عملية من أجل إعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين وهي:
* إنهاء سياسة التهميش في منطقة الريف وإرجاع كرامة أهلها وإدماجها اقتصاديا وإداريا.
* الاعتناء بتراث محمد بن عبد الكريم الخطابي، عن طريق إحداث مركز للدراسات والأبحاث ومتحف يليق بمكانة الرجل.
* إعادة كتابة تاريخ المغرب، خاصة التاريخ المتعلق بالمقاومة الريفية.
* ضرورة رد الاعتبار إلى حرب الريف التحريرية إعلاميا وتعليميا وفنيا من أجل تجاوز سلبيات الماضي وخدمة المستقبل. (عن: علي الإدريسي، رحيل سعيد الخطابي، موقع ذاكرة الريف).

ويؤكد الأستاذ أحمد المرابط واصفا اهتمام المرحوم بالريف وتاريخه قائلا: كان “دائما يحلم يرفع غشاء النسيان عن منطقة الريف ويعمل على التعريف بها وبتاريخها في الخارج، ونظم رحلات لكتاب أجانب إلى المنطقة على حسابه الخاص للتعرف على خصوصياتها وعلى تاريخها النضالي ضد الاستعمار” (المساء، 11 نوفمبر 2007).

إن قيمة المرحوم سعيد سوف تتأكد حينما تتعرف الأجيال القادمة عن المعدن الحقيقي لهذه الشخصية الهادئة التي تحترم الرأي والرأي الآخر. في حوار سبق وأن أجرته معه صحيفة “تيفراز” في 15 سبتمبر من سنة 2004، نتلمس بعض ملامح هذه الشخصية. فهو يرى أن الإنسان “يجب أن يكون لينا وحكيما وغير مندفع، لأن الاندفاع يدل على عدم الإقناع، والإنسان حينما يكون مقتنعا لا يندفع”. هكذا كان يبدو مع الآخرين هادئا، صاغيا ومستمعا ومعبرا عن أفكاره بأسلوب غاية في التحضر.

عندما بلغني نعي الأمير سعيد الخطابي، اتصلت هاتفيا بالأستاذ أحمد المرابط لأعزيه وأعزي نفسي في فقدانه. وجرنا الحديث إلى استعادة الماضي وشجونه، فذكر لي أن المرحوم كلفه والده في خريف 58 – 59 بالسفر إلى الريف عبر إسبانيا من أجل الاتصال بقيادة الانتفاضة. وقد استخدم في تنقله من القاهرة إلى إسبانيا ومن ثم المغرب، جواز سفر الأستاذ المرابط الذي كان آنذاك طالبا في القاهرة. وهذه الواقعة التي طلبت من الأستاذ المرابط تسجيلها ونشرها، تسلط الضوء على جوانب مخفية من شخصية المرحوم ودورها في بعض القضايا التي يحلو للبعض زرع الشك حولها.

رحمك الله يا أميرنا ومعذرة لأننا لم نقدرك وأنت تعيش بيننا.

محمد أمزيان، 15-12-2007

الوسوم