fbpx
أقلام حرة

محمد إنعيسى كورونا: الإهانة الخامسة للبشرية

متابعة حراك الريف

منذ أن وجد الإنسان على الأرض وهو يحاول تسخير جميع قدراته من أجل السيطرة على الطبيعة حتى يجعلها خادما مطيعا له، فتمكن بذلك من السيطرة على جزء كبير منها، ولم تتوقف أطماعه فقط عند محاولة السيطرة على الحاضر، بل بدأ يفكر في إمكانية السيطرة على المستقبل عن طريق مايسمى بالتنبؤ العلمي وعلم الدراسات المستقبلية.
إكتشاف النار كان ثورة حقيقية في مسار تطور الإنسان، إذ بفضلها تمكن من صناعة الأسلحة وضمان الإستقرار. هذه الأسلحة التي صنعها في البداية لمحاربة الحيوانات، لكن سرعان ما طورها لمحاربة أخيه الإنسان في إطار الصراع حول المجال والثروة.
يمكن القول أن تزايد حاجيات الإنسان تتناسب خطيا مع نزوعه نحو الفردانية، وبذلك فالتطور التكنولوجي مثلا كان سلاحا ذو حدين، سهل على الإنسان أمورا عديدة من جهة، وغذى فيه النزعة الأنانية من جهة أخرى. يكفي أن نشاهد هذا التباعد الإجتماعي في زمن الهواتف الذكية ووسائل التواصل الإجتماعي.
الحروب التي خاضتها الإنسانية كانت تحت شعارات مختلفة، لكنها في الحقيقة كانت حروبا تحت شعار واحد وهو الأنانية المفرطة، إذ غالبا ما كانت هذه الحروب مققررة من طرف شخص واحد رغم أن أغلبية الذين ماتوا في الحروب كانوا يعتقدون أنهم خاصوا حربا مقدسة لهدف نبيل.
سيطرة الإنسان على جزء من الطبيعة أنتج الثقافة، في حين كانت السياسة نتيجة لصراع الإنسان مع أخيه الإنسان، أما مجموع الصراع فقد أنتج للبشرية مايسمى بالحضارة.
التطور العلمي والتكنولوجي أتاحا للإنسان فرصا مهمة للعودة إلى الذات وتقييم الأوضاع، لكن الأنانية والصراع من أجل الإستعراف جعلت منه كائنا صبيانيا لا تهمه إلا المصلحة الفردية.
لا يمكن على كل حال أن ننكر الصيحات الإيديولوجية التي نادت بالضرورة الأخلاقية لكل تطور علمي، لكن في المقابل يجب التنبيه إلى أن أغلبية الصيحات كانت في موقع ضعف أمام الإيديولوجيات السائدة.
تعرضت البشرية لأربع إهانات، هذه الإهانات جعلت الكائن الذي اعتقد أنه أفضل مخلوق في الكون يعيد النظر في مسلماته وعجرفته.
تحدث فرويد عن بعض هذه الإهانات، وهناك من أضاف إهانات أخرى إلى إهانات فرويد.
يمكن إجمال هذه الإهانات في:
الإهانة. الأولى، وهي الإهانة الكونية أو الكوسمولوجية بقيادة كوبيرنيك
الإهانة الثانية، وهي الإهانة البيولوجيوجية أو الإهانة الداروينية
الإهانة الثالثة، وهي إهانة الوعي اللاتاريخي أو الإهانة الماركسية
الإهانة الرابعة، وهي الإهانة النفسية أو الإهانة الفرودية
وبلغة الإهانات يمكن أن نضيف إهانة جديدة، وهي الإهانة الفيروسية أو إهانة كورونا.
سنحاول أن نقف عند كل إهانة على حدة، حتى نتمكن من فهمها أكثر.
الإهانة الأولى: الإهانة الكسمولوجية
إعتقد الإنسان أن الأرض مركز الكون، وأن الكون وجد لخدمته.
الأديان السماوية دعمت هذا الإعتقاد، حتى العلم والفلسفة ذهبا في هذا الإتجاه، أرسطو مثلا لم يتردد في اعتبار الأرض مركزا للكون، وأن جميع الكواكب تدور حول الأرض، ومن بينها الشمس، هذه الفكرة التي دعمها رجال الدين المسيحيين بالخصوص، ووجدت ضالتها في عقل الحس المشترك، إذ أن الناس يشاهدون يوميا الشمس تشرق من جهة الشرق وتغرب من جهة الغرب.
العالم كوبيرنيك، عن طريق معادلات رياضية تلخص حركة الأرض والأجرام السماوية أثبت أن الأرض ليست مركز للكون، بل هي مجرد كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس، هذه الشمس بدورها ليست إلا مركزا للمجموعة الشمسية.
كوبيرنيك بهذه النظرية قذف بالإنسان من مركز الكون إلى حبة رملة في صحراء الكون، وبهذا الإكتشاف العظيم أهان البشرية وجعلها تراجع أوراقها المطلقة. الإهانة الثانية: إهانة نظرية التطور

ذهب دارووين إلى القول أن الإنسان ما هو إلا حيوان تطور من فصيلة قردة معينة، وبذلك لم يعد الإنسان ذلك الكائن الذي اختاره الله ليسكن مركز الكون ومتعه بعقل قادر على التحكم في جميع المخلوقات الأخرى.
داروين بنظريته أخرج الإنسان من مكانته السامية وأرجعه إلى مملكته الحيوانية.
كانت هذه النظرية إهانة أخرى للإنسانية حتى تقوم بتقييم جديد للمسلمات والبديهيات.
الإهانة الثالثة: إهانة الوعي اللاتاريخي أو الإهانة الماركسية:
يشير كارل ماركس إلى أن الفلاسفة والمفكرين الذين كانو قبله، ذهبوا كلهم إلى تفسير العالم، ولم يذهب أحدهم إلى تغيير العالم بسبب عدم امتلاكهم لنظرية علمية تخلص البشرية من القهر والإستغلال.
هكذا اعتبر ماركس أن الإنسان يعيش خارج التاريخ ، ولن يدخل الإنسان التاريخ إلا بعد انتفاء الصراع الطبقي، هذا الصراع هو الصراع الحقيقي الذي يجب أن يعيه المقهور، أما الصراعات الأخرى فهي مجرد أوهام خلقها المسيطرون لنشر وعي زائف.
كانت صفعة ماركس صفعة قوية للبشرية التي اعتقدت أنها تعيش داخل التاريخ بدعم من رجال الدين.
الإهانة الرابعة: الإهانة النفسية أو الفرويدية:
قلنا أن الإنسان اعتقد أنه كائن متفوق على الكائنات الأخرى بتوفره على العقل، هذه الأداة التي تتيح له التمييز بين الخير والشر، النافع والضار…
لكن فرويد بخوضه غمار النفس الإنسانية، إكتشف أن الإنسان مجرد مركب من عدة تراكمات نفسية، اجتماعية وتاريخية. هذه التراكمات تتداخل في ما بينها لتشكل في الأخير عقلا مكونا من جزء واعي وآخر غير واعي.
الجزء الواعي يمثل الخضوع لإملاءات المجتمع، والجزء اللاواعي يتذكر أصله الحيواني الذي لا يميز بين الخير والشر.
يمكن القول أن العلم والفلسفة كان لهما فضل كبير في تقدم وتطور المجتمعات البشرية، وجميع الإهانات التي ذكرناها سابقا، في الحقيقة ما هي إلا تقييم لتاريخ الإنسان، هذا الإنسان الذي لم ينتبه إلى ذاته إلا في مراحل متقدمة من التاريخ كما يقول موريس ديزموند في كتابه القرد العاري.
الفلسفة الحديثة، رفعت شعارا مهما وهو: أن الإنسان هو الكائن الأسمى للإنسان. بهذا الشعار أحدثت قطيعة إبستيمولوجية مع الإيديولوجيات والمذاهب التي تسببت في تعاسة الإنسان. لكن هذا الشعار في الحقيقة بقي مجرد صيحات من مثقف إلى آخر، إذ أن الدول غالبا ما ترضخ لإيديولوجياتها وسياساتها رغم الشعارات التي ترفعها من قبيل حقوق الإنسان، المساواة…
ما يعانيه المهاجرون السريون واللاجؤون من معاملات لا إنسانية في أماكن مختلفة من العالم لدليل واضح على زيف هذه الشعارات، إذ أن الدول المختلفة تتقيد ببروكولات واتفاقيات وضعها الإنسان وترضخ لها، ولا تهمها كرامة هذا الإنسان الذي هاجر لأسباب معيشية أو أسباب تدخل في إطار حسن البقاء أو البقاء في حالة اللاجئين من الحروب.
الصراعات الإيديولوجية والمذهبية بخست الإنسان وجعلته كائنا منسلخا عن القيم الإنسانية شيئا فشيئا، حتى أصبح الإنسان مجرد رقم في معاملات تجارية.
كم من حروب نشبت باسم الدين، وكم من حروب نشبت باسم السياسة والسيادة، وفي الأخير، الإنسان هو الخاسر الأكبر منها وهو الذي يدفع ثمنها، يدفع الثمن ميتا أم حيا.
كورونا فيروس قاتل ظهر في نهاية نوفمبر من سنة 2019 في مدينة صينية وانتقل إلى العالم في مدة وجيزة، حصد أرواح الآلاف من البشر، وأصاب مئات الألاف، ولحدود الساعة في تزايد مستمر، إذا استثينا الصين التي أعلنت رسميا سيطرتها النسبية على هذا الوباء الخطير.
ينتقل هذا الفيروس من الشخص المصاب عن طريق اللمس، ولا تظهر أعراضه إلا بعد أكثر من عشرة أيام من الإصابة، مما يزيد في صعوبة السيطرة عليه.
تجند العالم لمواجهة هذا الوباء، وأصبح حديث الساعة حديثا عن عدد الإصابات، عدد الوفيات، وعدد المتعافين.
من بين الإحتياطات التي رسمتها منظمة الصحة العالمية وبعض الدول لمواجهة هذا الوباء تطبيق ما يسمى بالحجر الصحي للوقاية من انتشاره. والغريب أن دولا كان يضرب بها المثل في القطاع الصحي، أعلنت عن عدم قدرتها مواجهة هذا الفيروس إذا استمر بنفس الوتيرة.
لا يسع المجال في هذا المقال للحديث أكثر عن حيثيات وتداعيات هذا الفيروس الخطير، لكن يمكن القول أن هذا الوباء شكل طفرة نوعية في تفكير الإنسان المعاصر، لهذا أضفينا عليه صفة إهانة خامسة للبشرية.
الإهانة الخامسة: إهانة كورونا أو الإهانة الفيروسية
فيروس كورونا وضع حدا للإيديولوجيات والمذاهب، رغم أن بعض العقول المتحجرة مازالت تذكرنا بعقاب الله للبشروعقول أخرى ذهبت مباشرة إلى نظرية المؤامرة واعتبرت هذا الوباء مجرد خدعة في إطار البحث عن الزعامة الدولية ، حيث أصبح الناس بمختلف دياناتهم، أجناسهم، طبقاتهم مهددون من طرف هذا الفيروس الخطير.
أصبح العالم يعيش على وتيرة واحدة، حديث كورونا والخوف من المستقبل القريب، الشيء الذي يبرر تظافر جهود الدول والشعوب لمكافحة هذا الوباء.
كورونا أهان الدول التي كانت تتسابق نحو التسلح، هذه الدول التي لم تكن تعير أي اهتمام للبحث العلمي، وأعاد إلى الواجهة ضرورة العلم والتعليم وأخفى بقوته أنظمة التفاهة التي جردت الإنسانية من قيمها الحقيقية.
العالم يترقب يوما بعد يوم، في مشهد درامي، نهاية هذه الكارثة والرجوع إلى الحياة العادية.
فهل ستكون إهانة كورونا بداية لعالم جديد يقدم فيه عالم ماقبل كورونا نقدا ذاتيا، ليضع اليد على الجرح؟ أم أن كورونا سيكون مجرد محطة لاستراحة الإيديولوجيات؟

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock