أقلام حرة

محمد بن عبد الكريم الخطابي وأهمية الشخصيات التاريخية في حياة الشعوب.

بقلم فريد النهاشي

من الغباء أحيانا كشف الحقيقة للجموع لان ذلك سيعني تفككهم وتدمير ما يشكل أسباب توحدهم وتكتلهم.ولنا في قصة الاندثار والتفكك والفوضى التي اصابت قبيلة بعد مقتل طائرها المقدس بمسدس،والذي عبد لانبهارهم بقدرته على تجنب سهامهم مثالا حيا على أهمية تزكية ما يشكل الذاكرة الجماعية وإن كانت مجرد أوهام،وهذا ما نجده في الأديان الطوطمية حيث شخصية الأب المتجسدة في طائر معبود(أو نبات/صخرة..) يمنح للجماعة سبل الاستمرارية والانتظام واحترام القانون وفاءا لروح الأب المقتول”القدوة”ورغم جهل الجماعة بوهمية كل ذلك فإنها أكذوبة نبيلة إن استعرنا الفكرة الأفلاطونية “للتوسع أكثر ينظر كتاب الطوطم والتابو”لفرويد، ولقد تطرق تشومسكي في كتابه”اشياء لم تسمع بها ابدا” لمعطى الشخصيات التاريخية عند الشعوب والأمم حيث يؤكد بأن الشعوب التي تفتقر للشخصيات التاريخية التي تشكل قدوة للاجيال ستفتقد لحس الممانعة،وبأن أمريكا لطالما سعت للقضاء على رمزية بعض الشخصيات التاريخية لاضعاف الدول والشعوب من الداخل ويصفها بأنها دولة تخاف من الشخصيات النموذجية عند الشعوب بقدر لا يضاهيه أي خوف أخر ولهذا لا تترك أي أثر للزعماء الذين تتخلص منهم(هتلر.أسامة بن لادن.البغدادي.القذافي…).وبما أن عبد الكريم الخطابي قدوة ونموذج يمنح للريفيين كشخصية تاريخية روح الممانعة والمقاومة؛كما جعلت للريفيون احساس بالافتخار والتشبث بقيم الصمود والمقاومة وعزة النفس فإن التشكيك في نزاهته ونواياه يعني إستهداف المجتمع ككل.هكذا نموذج يشكله الرسل والانبياء تاريخيا عند شعوب كثيرة رغم التهويل والصبغة الاسطورية التي يتم اضفائها عليهم،وهذا ما يتطرق له فرويد في كتابه موسى والتوحيد حيث يفضح بالأدلة التاريخية صورة موسى الحقيقية،ولكنه يقر بان الشعوب بطبيعتعا تحتاج للمثال والقدوة والنموذج الملائكي لتتوحد عوض التفكك،وبأن عدم اندثار وانقراض الشعب اليهودي وتماسكه التاريخي نابع من موسى كقدوة تاريخية بالنسبة لهم تم تضخيم بطولاتها وشخصيتها وأفعالها رغم أن الادلة التاريخية تثبت بأن موسى مصري ولا علاقة له بموسى اليهودي كشخصية خرافية(للتوسع أكثر ينزر كتاب موسى والتوحيد).بمعنى ان التاريخ غني بالأوهام ولكنها أوهام ضرورية وتمنح صلابة للشعوب ،وتضفي عليها روح التماسك والاتحاد والقدرة على الحياة.لهذا لا فائدة من الخوض في شخصية عبد الكريم الخطابي بمحاسنها ومساوئها لان مصلحة الريف والريفيون لا تكمن في ذلك.إن الطبيعة السيكولوجية لانسان تقوم على السعي للتشبه بالانا المثالي؛فكل ذات في سعي دائم للرقي والسمو رغبة في بلوغ أنا مثالي يشكل لها منتهى كمالها(الألهة عند فويرباخ مثلا.للتوسع أكثر ينظر:جوهر المسيحية)؛وهذا ما نجده عندما يحاول الانسان أن يتحلى بالقيم الأخلاقية”الأنا الاعلى” أو التشبه بشخصية تاريخية ونهج مبادئها في الحياة”تشي غيفارا.ماركس.عبد الكريم الخطابي”،وحتى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه عندما أراد التخلص من الأصنام(القدوة) وكل المعبودات التي تسمم الحياة الأرضية سواء أكانت كائنات سماوية متعالية أو قيم ثقافية أرضية فإنه فشل في ذلك ووجد نفسه ينظر للإنسان الأعلى “السوبرمان’ كقدوة ومثال يسعى للتشبه به،ويعمل على محاكاته واتخاذه نموذج في الحياة يمنح له الامل وروح الصمود.كل هذا يعني بأن الشعوب تحاول أن تحاكي قيم ومبادئ وخصال شخصياتها التاريخية باعتبارها قدوة ونماذج يحتذى بها في مواجهة الأعداء وأسباب تفككها وعوامل تدمير مقوماتها الثقافية.هكذا حديث شكل موضوع كتاب “سيكولوجية الجماهير “لسيجموند فرويد وغوستاف لوبون،فعندما يختفي القائد كرمز تاريخي او يقتل الزعيم كقدوة حية وواقعية تتفكك لحمة الشعوب وتدخل في مرحلة الإحتضار والفوضى وغياب الاجماع والمراجع التي قد توحدها(اللامعنى والتيهة التي أصابت المجتمعات الأوربية مثلا مع الثورة الفلكية وفقدان الثقة في المرجعية الإلهية مما دفعها للبحث عن بوصلة تشرع لها سبل الحياة وتنير لها الطريق فكان الانسان العاقل هو البديل مع الحركة الانسية والنهضة.للتوسع أكثر ينظر:تعلم الحياة لوك فيري)،وهذا ما يحدث في زمن الحرب حيث التركيز على قتل الزعماء والقادة لاضعاف الجماعة في أفق اندثاره الحتمي،وهو ما نشهده يوميا في المناطق التي تشهد حروبا”سوريا.ليبيا.اليمن”حيث التخلص من قادة المجموعات المتحاربة يسهل مأمورية الحاق الهزيمة بالعدو.وهذا ما يحدث عندما يشوه قائد تاريخي عند أمة معينة حيث تضعف هذه الاخيرة وتفقد مصادر المقاومة والاحساس بالانتماء ويتقلص الوعي الجمعي؛كما تتقاعس على الفعل بمختلف ألوانه.فإن كان عبد الكريم الخطابي قدوة عند أبناء الريف فإن كل من يريد أن يناقش حقيقته كشخصية تاريخية فإنما يعمل على إضعاف المجتمع الريفي وتوفير أسلحة للأعداء للقضاء على الذاكرة الجماعية التي تشكل السلاح الحقيقي عند الريفيون وما محاولة شراء “عباية” الزفزافي التي عذب بها وصور عاريا مقابل المبلغ الذي يرتئه كما صرح بذلك.الزفزافي الأب إلا محاولة للقضاء على رمزيتها ورمزيته مستقبلا بإخفاء كل ما قد يشكل مقومات الذاكرة الجماعية.ولهذا لا يجب الخوض في هذا الموضوع التاريخي وإلا سنكون بصدد تدمير أنفسنا بأنفسنا فكما قال هيرتزل ناصحا شعبه في كتابه الدولة اليهودية بأن حق القوة(العنف.الكذب.التزوير.التحريف) سيستمر لأمد بعيد ولا مجال لقوة الحق والحقيقة؛فالشعوب بدون ذاكرة جماعية إيجابية(مصدر للقوة) هي شعوب ضعيفة قابلة للخضوع والاختراق والاندثار

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock