أقلام حرةثقافة

محمد بوتخريط يكتب :`المفردات` الأمازيغية في “رسائل مرزوق” تفرد يأبى التهميش..

محمد بوتخريط . هولندا

– `المفردات` الأمازيغية في “رسائل مرزوق” تفرد يأبى التهميش..
أو حين يبهرَنا جمال الامكنة والكلمات، ونتذوق حلاوة الإبداع..

أعلم جيدا أنه من السابق لأوانه قليلا تقييم مسلسل “رسائل مرزوق” أو وصف العمل بالجيد او حتى بالفاشل… فمشاهدة المسلسل الى آخره هي خير برهان ودليل على تقييمه واعطاءه الاستحقاق الذي يليق به.
لكن لابد من الاشارة في ذات السياق الى انه بمجرد مرور الحلقات الاولى للمسلسل حتى انهالت التعليقات حوله بين من استوقفته المواضيع التي تناولها وآخرون توقعوا أن يحظى بمتابعة كبيرة لاسيما أنه يضم كل العناصر والمقومات المطلوبة لنجاح أي عمل فني.

لكن ما استوقفني انا اكثر و بعيدا عن كل ما سبق .. تلكم التجربة الفريدة في التوظيف الجميل والمتناسق للكلمات والألفاظ و للمفردات الامازيغية القحة في حوارات الممثلين ، لتسكن في آذان الصغير قبل الكبير..بل ونعيشها مع كل حوار سواء ذاك الذي يروي حب وعشق وأفراح أو مآسي و أحزان وجراح ..كلمات تداولناها قديماعلى المستوى الشعبي ،هي لغتنا ولغة آباءنا واجدادنا..كان خوفي الدائم أن تندثر وتغيب عن جلساتنا وفي حواراتنا ، لكن هي الان تسكن هنا…العاكْ اِينُو..الرِّضا..أنا عُوْرِيتَك..الخ.
هذا دون إغفال ذاك التوظيف الرائع كذلك لأغاني ريفية قديمة، أغاني من رحم تراثنا الريفي لم تنل نصيبها من الاهتمام الاعلامي في عهدها ،تتسلل الينا اليوم بقوة عبر حكايات و `رسائل مرزوق` ، وهي التفاته طيبة و مقدرة فالامر هنا ليس فقط إحياء للثرات الامازيغي الريفي بل هو تكريما للاغنية الريفية ولجميع الفنانين القدامى الذين طالهم النسيان والتهميش.

حوارات ومحادثات تحمل كلمات ومفردات أمازيغية قحة وصحيحة غير معربة ولا مفرنسة ، و هي منبع المشاعر والأحاسيس التي أعطت “رسائل مرزوق” روحاً ورونقاً وجمالا…تغذي وجدان المشاهد المتعطش للجمال واللذة وتسعف من أراد وصف حاله وصفًا دقيقًا بدرجة تتفرد بها عن سائر اللغات…وهو امر ليس بغريب على كاتب سيناريو متفرد الأسلوب، صقلت الثقافة الامازيغية موهبته وإبداعه، السيناريست محمد بوزكو .
أن نتسمر نحو النصف ساعة كل يوم على مقاعدنا، متأرجحين بين انقباض أعصابنا وتسارع نبضات قلوبنا و مأسورين بحزمة من التفاعلات والمشاعر المتدفقة لمواكبة وتيرة تسارع وتصاعد الأحداث والأصوات من هنا وهناك، مستغرقين في مشاهد وحكايات تُحكى بلساننا و بشكلها الصحيح والمُتقن فهذا دليل على أننا فعلا أمام عمل يبدوا ( على الاقل لحدود ما شاهدناه لحد الآن)  ناجح بكل المقاييس.
فما بين ضجة الأحداث وتعابيرالممثلين و جمالية المكان وأغاني الزمن الجميل المصاحبة للاحداث ، نعيش فعلا مغامرة من الطراز الفريد، تعود بنا إلى ماضٍ قد نرفض نسيانه، أو قد نريد نسيانه..لكنه يبقى ماضٍ جميل يأخذنا إلى عوالمِنا التي ربما انطفأت بانشغالاتنا او برحيلنا، صور تثير فينا نوعا من النوستالجيا الذي يجعلنا أكثر دفئا وأمانا ، صور من فترة الثمانينيات من القرن الماضي .. وأغاني تراثية تأسرنا كلماتها، تقذفنا في وجه الماضي ..تحرق صبرا فينا صام طويلا ، ونام في عمق النسيان ..

لا شك أن فكرة توظيف تعابير وكلمات أمازيغية قحة في المسلسل كانت تحديا كبيرا للسيناريست كما للمخرج، فالفكرة لم تقتصر فقط على هذه الكلمات  كلغة للحوار، بل أيضا عمدا إلى إضفاء تعبيرات حقيقية عبر اللباس والتعابير والموسيقى والاغاني … وكأنهما بذلك ينبهوننا الى أن اللغة ومعها الثقافة الريفية ظُلمت كثيرا، وأنها عرضة للتهميش والاقصاء ، وحان الوقت فعلا لإعادة مكانتها إليها… تداركا ذلك بوعي تام و وجدا الأسلوب الذي يفهمان فيه والذي يجعلنا بدورنا محبين لها ، لينشأ بالتالي جيل يخجل أمام جمالها وعظمتها بدل ان يخجل منها.

عمل ولد في أحضان ديكور متنوع ، أصيل ومتأصل يعبرعن الغنى الثقافي واللغوي للريف ،عرف مخرجه وكاتبه كيف يتعاملان معه لا من حيث اللغة الامازيغية الفصيحة ولا من حيث الزمان والمكان وخاصة في جمال أماكن التصوير ، التي تضفي الحياة على المسلسل. أمكنة ملأى بالذكريات وحافظة للخفايا والأسرار ، وشاهدة إثبات على كل الاحداث والحكايات، إنها أكثر من مجرد تاريخ أو وثيقة ، نظرا لما تحمله من خفايا وتفاصيل غيرعادية ، بل وحتى في الشخصيات المختارة.. بلغتها ولباسها وعاداتها وأيضا بفنونها بل وكذلك بالتقليد الاجتماعي والعادات والأعراف.

رسائل مرزوق` مفاجأة هذا الشهر الكريم لما يحمله هذا العمل من حالة مختلفة وتكاتف جميع العناصر لخروج عمل فني بمستوى راق، وذلك بداية من الإنتاج الذي يسخر كافة الإمكانيات المتاحة لراحة فريق العمل وحرصه على استمرار حالة الإبداع، وكذلك الكاتب الذي يمتلك روح الشجاعة ليتحدث عن أفكاره وتجاربه بدون تجميل أو كذب، ورغبته في تقديم شيء مختلف وجديد عن السائد ، وممثلين ابدعوا بأدوراهم و قدموا أفضل ما لديهم…تشعر وانت تتابعهم أنهم يتقمصون الشخصيات بشكل ملفت ودقيق جدا…ومخرج متمكن من أدواته الفنية ،يمتلك رؤية مبدعة..استطاع أن يدير الممثل بشكل جيد جدا و أن يستوعب جمالية وقوة السيناريو وأهميته كفيلم امازيغي ريفي.والظاهر من الاحداث التي تابعناها لحدود اليوم أن `رسائل مرزوق` سيحمل لنا في قادم الحلقات العديد من المفاجآت سواء على مستوى القصة أو الصورة…أو الاحداث.

– خلاصة الرسالة..
أبهَرَنا جمال الامكنة و المفردات ، وتذوقنا حلاوة الإبداع…

الوسوم

مقالات ذات صلة