ثقافة

محمد بوزكو أو حين يكون الفن التزاما ونقدا

متابعة حراك الريف

لم يعد الفنّ وسيلة للترويح عن النفس كما أرادت له “الصناعة الثقافية” الرأسمالية بتعبير السوسيولوجي الألماني ثيودور أدورنو، وهذا ما كانت البورجوازية والأرستقراطية تريدانه له، إذ دفعت به الرأسمالية إلى الانحطاط، وإنما صار تعبيرا مبدعا عن المقاومة القائمة على رفض الحداثة الزائفة (صناعة الثقافة أو الثقافة المُصنَّعة والمُعلّبة المُسوَّقة). إن الفنّ (ومن بين أشكاله السينما) وسيلة يلجأ إليها الفنان لممارسة نقده للمجتمع ومقاومته لغزو الثقافة الجماهيرية (باعتبار هذه الأخيرة أعتى تجليات الصناعة الثقافية). وهذا ما يفعله الفنان المبدع محمد بوزكو، بتفان عزّ نظيره، بفيلمه المتألق “خميس 1984”.

إن ماهية النقد تتمحور حول الأبعاد المتعددة للحياة الاجتماعية، فليس المهمّ “التقنيات” أو “أساليب” التعبير، الخ.، التي اعتمدها الفيلم، وإنما المهم هو النقد الذي يوجّهه للقيم السائدة وللرسالة التي يحملها. فغالبية أحداث الفيلم تدور في منزل شخص يسمى خميس، وهي إشارة إلى أنها وقعت يوم الخميس من سنة 1984، وبالضبط يوم الخميس 19 يناير. والاشتغال على الذاكرة هو رفضٌ للنسيان، رفضٌ لشكل معيّن من الإبعاد المتعمد لذاكرة أريد لها أن تمحى، وتتشكل بدلا منها ذاكرة خاضعة للأسطورة، قوامها النقاء والطهارة والرجولة. إنه رفض علني لـ”سياسة الذاكرة” كما يسميها بول ريكور.

ينطلق الفيلم من مشهد يضمّ عساكر يطلقون الرصاص على الناس، ودبابات وصوت مروحيات، وقتلى وجرحى منتشرون في الشوارع. المفاجأة ستكون لمّا ستصاب إحدى الشخصيات الرئيسية برصاصة أفقدتها “رجولتها” وأصبحت مثلها مثل خميس المعطوب جنسيا.

جمع فيلم “خميس 1984” بين أحداث سياسية وأخرى اجتماعية، فنجده يتحدث عن ضحية من ضحايا أحداث 19 يناير دفعت به الأحداث لمنزل شخص مريض يعاني من العجز الجنسي. شخصٌ مركز العالم بالنسبة إليه هو ضعفه الجنسي، بحيث لا تهمه الأحداث ولا الضحايا، بل اختار موقعا معاديا لهم حين ساند آلة القمع. عجزه دفعه للمساهمة في اغتصاب نعيمة. هذه الحقيقة الاجتماعية التي يحاول الفيلم نزع الطابع الطابوهاتي عليها ستتراءى للسوسيولوجي الفطن، ففي حياة الناس هذه، المليئة بنماذج هذا العاجز، نجد الكثير من الناس العاجزين يُقدمون على مساعدة الجلادين والمهيمنين والسادة ليُمكّنوهم من المزيد من السيطرة والإخضاع. إن الفيلم بهذا المزج فيه نقد مزدوج: للسلطة وللمجتمع كذلك.

ربط الدمار النفسي الواقع على الرجال جسّده الفيلم في العجز الجنسي (كما عند خميس) وبالتالي سبّب عجزا داخليا سبّب لهم عجزا مزمنا عن مواجهة القمع ودفعهم لتقبل الخنوع والخضوع. إن نقد القيم التقليدية المتحجّرة من جهة، ونقد السلطة والاستبداد القائم على الإخضاع والإخصاء من جهة أخرى هو ما ينبغي على المحلّل الفطن الانتباه إليه.

ليس الفن وعداً بالسعادة، بل هو أيضا تسجيل لآلام متراكمة خلال التاريخ في مجتمع لا يكف عن الصراع والصدام. وفيلم “خميس 1984” لا يخرج عن هذا الإطار، لأنه تعبير عن ممارسة لشكل من أشكال المقاومة المعاصرة، والتي تتخذ الفنّ وسيلة راقية لها. بمعنى أن المبدع محمد بوزكو قد أدخل الفيلم الأمازيغي إلى بحر الفكر الجمالي المعاصر. فهذا الأخير تعرّض لتأثيرات كبيرة، ليس بفعل الحركات الطليعية فقط، وإنما كذلك بفعل الحروب والثورات والمواجهات. الأمر الذي جعل الكثير من الفلاسفة يهتمّون به، منذ النظريات الكلاسيكية (كانط وهيجل) مرورا بالنظريات الماركسية وصولا إلى مدرسة فرانكفورت النقدية (مع أدورنو وهوركهايمر وماركوز). فتمّ اعتبار إعادة تأويل ظاهرة الإبداع الفني مهمة لابد من فهم أبعادها، خصوصا في علاقتها بفهم وتحديد الحداثة والمجتمع.

إن فيلم “خميس 1984” تشخيصٌ لحالة مجتمع أمازيغي (الريف)، وهو تشخيصٌ يمكن أن يدفع (أي هذا التشخيص) بالبعض إلى تبني أيديولوجية محافظة تخشى التغيير وبالتالي ستهاجم الفنان المبدع، وتحاول قتل الإبداع فيه، كما يمكن أن يدفع بآخرين إلى تجدد الأمل المتراجع لدى إمازيغن، قوى تعد بمستقبل أفضل قائم على الانقلاب على الاستلاب وعلى الصناعة الثقافية السائدة.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock