أقلام حرة

مختصر الكلام في موضوع الإضراب عن الطعام

مصطفى الحسناوي

في لحظة الإضراب عن الطعام، يكون الوضع بين المعتقل السياسي والدولة، أشبه ما يكون بالحرب أو الصراع أو التفاوض.

قلت المعتقل السياسي، وقلت الدولة، ولم أقل المعتقل (مطلقا)، ولا إدارة السجن، ذلك أن معتقل الحق العام إن خاض إضرابا عن الطعام، فإن مدير السجن، أو المندوبية في أقصى الحالات، يمكنهم إنهاء المشكل، بشكل من الأشكال، إما بتحقيق المطلب، أو بقمع المُضرِب وتهديده وثنيه.
حين يتعلق الأمر بمعتقل سياسي، يخرج الأمر من يد مندوبية السجون، ومن باب أولى مدير السجن، إلا في جزئيات وتفاصيل صغيرة، وتدخل سلط وأجهزة أخرى على الخط، وتتفاوت مستويات التدخل، بحسب عدة عوامل، منها مكانة المعتقل وملفه، ومطالبه التي خاض من أجلها الإضراب، ومدة إضرابه، وحجم التضامن معه، وانتشار قضيته…
لكن هذه العوامل لاتتجاوز في تأثيرها سقفا معينا، ثم ما يلبث أن يتم تجاهل هذا المضُرب. بمعنى ممكن زن تكون هذه العوامل مؤثرة، لكن إن تجاوزت المطالب خطوطا حمراء عند السلطة، فإنه لايعود لتلك العوامل أي تأثير.
قبل الوصول لمرحلة التجاهل، يدخل المعتقل مع الدولة، في ما يشبه الرقص أو المراقصة، يتم جس نبضه، يقوم مدير السجن بالاكتشاف والاستطلاع، يتم عرض بعض الامتيازات… من جهته المُضرب إذا أحس بالاهتمام ممكن أن يُصَعد أو يتجاهل، ثم إذا أحس بالتجاهل ممكن أن ينزل سقف مطالبه… من الممكن أن تبدأ الدولة بالتجاهل منذ البداية، لدفع المُضرب إلى اليأس، ثم جس نبضه بعد ذلك… هذه الخطوات يقوم بها المدير، لكنه لايعدو أن يكون إلا مأمورا وساعي بريد. فهو لايتصرف من تلقاء نفسه أو باجتهاده في مثل هذه المواضيع الحساسة.
كل هذه المقدمة التي سردتها، لأعلق على الانتقادات التي تم توجيهها للمندوب صالح التامك.
الكثير من المقالات والتدوينات التي طالعتها، تتحدث عن تجاهل التامك، لمطالب المضربين من معتقلي حراك الريف، كأن التامك هو من يقرر أو يحسم في ملف كهذا.
إن ملفا بهذا الحجم، وبهذا الحضور الإعلامي والحقوقي، وطنيا ودوليا، لا يمكن بالبت والمطلق أن يقرر فيه مسؤول بحجم وصلاحيات التامك.
من خلال تجربتي في الإضرابات، (خضت إضرابات عديدة في مدة قصيرة، حظيت بعضها بمتابعات إعلامية واسعة حتى خارج حدود أرض الوطن) يمكن أن أقول أن الإضراب الذي قد يحقق انتصارا معنويا، أو تسجيلا للأهداف في مرمى الدولة، يتم تجاهله والتعنت بشأنه، ودفع المُضرب إلى اليأس من خلال تكتيكات عديدة، وقد تسمح الدولة بموت المُضرب على أن تحقق له مطلبا. ولا تأبه بأي تبعات.
هناك نوعية من المطالب، يمكن تلبيتها، لكن تعتمد الدولة أسلوب التماطل وإطالة الأمد، ثم تحقق المطلب في النهاية، لكي لا يكرر المعتقل في كل مرة إضرابا آخرا، ولكي يشعر بأنه داخل السجن، لايمكنه تحقيق أبسط المطالب والتمتع بأقل الحقوق، وأن ذلك يحتاج لتضحية كبيرة. (شخصيا احتجزَت إدارة السجن، سبعة كراريس كنت أكتب عليها مذكراتي، وبعض الخواطر والكتابات الأدبية، وملاحظات ومعلومات…، ووعدتني بأنها سترجعها لي، بعد أسبوع، ثم أخلفت وعدها، ودخلت في إضراب عن الطعام لمدة طويلة، وجاءت لجنة من المندوبية وفتحت معي حوارا من أجل وقف الإضراب، ووعدتني بإرجاع الدفاتر والكراريس، لأكتشف أن إدارة السجن لاعلاقة لها بحجز الكراريس، وأن تلك الكراريس موجودة خارج أسوار السجن، واستغرقت المعركة التي خضتها ثلاثة أشهر من المعاناة والمفاوضات، لأحصل في النهاية على كراريسي التي هي ملكي وحقي، وكان بإمكانهم نسخها وتسليمها لي في نفس اليوم).
أحيانا يتم تلبية بعض المطالب، بسرعة كبيرة جدا، يجتمعون معك في ثالث أو رابع يوم، أو أقل أو أكثر، ويعدونك بتلبية تلك المطالب، إن كانت مطالب تتعلق بحقوق داخل السجن، فتكون هذه التلبية بمثابة الرشوة لشراء صمتك، وأحيانا لاستدراجك….
كنت أنصح كل من ينوي الدخول في إضراب عن الطعام، ماذا تريد؟
إن كان يريد إعادة محاكمته، مثلا، أو مقابلة مسؤول كبير، أو يرفض بعض الإجراءات الممارسة عليه، مثل تصنيف بعض السجناء ومايترتب على ذلك التصنيف من معاملة… فإن هذه المطالب مما تعتبره السلطة ليا لذراعها، وإرغاما لها على الخضوع… وهي تفضل أن تتجاهل المُضرب ومطالبه، إلى أن ييأس ويستسلم وربما يموت، إذا استمر في إضرابه. على أن تحقق له شيئا من ذلك.
مثل هذه المطالب وهذه الإضرابات، لا أشجع أحدا عليها، إلا إذا كان مستعدا للموت، ولايريد أي شيء آخر سوى تحقيق مطلبه.
هناك مطالب هي من قبيل استرجاع الحقوق المسلوبة داخل السجن، وهذه المطالب تتحقق بعد أن يكون المُضرب قد ألحق أذى بصحته. ولكي تتجاوب معه السلطة يحتاج لمواكبة إعلامية، تشكل نوعا من الضغط، وبالرغم من أن الدولة تتأخر وتتماطل، إلا أنها تستجيب في النهاية، هي فقط تريد أن تجعل الأمر صعبا ومكلفا، لكي لايعمد المعتقل في كل مرة إلى الإضراب.
مطالب أخرى وهي تلك التي من قبيل الرشوة، يمكن للمعتقل أن يحققها بسرعة، عليه فقط أن يكون مصدر إزعاج لإدارة السجن، ثم ينتقي مطالب معقولة (هي حقوقه في الواقع)، ثم يخوض إضرابه. النتائج تكون سريعة، ويحسم فيها مدير السجن فقط، دون حتى أن تخرج القضية خارج أسوار السجن غالبا.
والمتمرسون بالإضرابات، يعرفون أنواع الإضرابات وتقنياتها، إن كان الإنسان يريد أن ينهار سريعا، أو يطيل الأمد قليلا، يفقد وزن جسمه سريعا لوحده، أم يفقد معه الضغط وينخفض عنده السكر…
كنت أنصح من يسألني عن جدوى خوض الإضراب عن الطعام، بعبارة: اختر أي نوع من المطالب عندك، وخض الإضراب المناسب لكل نوع.
هي معركة عليك أن تعرف بأي أسلحة ستخوضها، وعليك أن تعرف خطط الخصم وتكتيكاته، وتتصرف وفقها، وتكون أنت صاحب المبادرة دائما.
لكن الخلاصة التي خرجت بها، أن الإضراب عن الطعام سلاح يفتك بالجسم، يقتل الإنسان ببطء، تبقى آثاره طويلا، حتى بعد أن يغادر الإنسان أسوار السجن، وحتى إذا نجح انتصر فيه فهو خاسر منهزم، لأنه دفع الثمن صحته، وكلما تفاداه الأنسان وابتعد عنه، ولم يكن مضطرا إليه كان أفضل له.
وكفى الله المضربين شر الجوع والعطش.

 

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock