إيزي إفوناسن

مريم الخطابي، الإبنة الثالثة للزعيم الريفي عبد الكريم الخطابي

احمد يونس

حديث مريم الخطابي (سبق نشره بجريدة أخبار اليوم)

هي أقل بنات عبدالكريم الخطابي حضورا في وسائل الإعلام، تحب حياة الظل والعيش في هدوء، واقتسام لحظات عائلية بهيجة مع أحفادها وأسرة شقيقتها عائشة.
هادئة الطباع منذ سنوات الطفولة، لكن هدوءها ممزوج بقوة شخصية ورثتها عن والدها.
إنها مريم الخطابي، الإبنة الثالثة للزعيم الريفي عبد الكريم الخطابي التي تفتخر بالحديث بالريفية كأي ريفي قادم من أجدير …
______________

” افتحوا آذانكم، واسمعوا جيدا ” هكذا كان والدي يخاطبنا، وهو يحاول أن يقدم لنا تاريخ بلادنا، بغية استيعابه وفهمه. كنا صغارا لانفقه شيئا فيما يحكيه، فضلا عن أننا لن نهتم بذاكرته، لكنه كان، مع ذلك يصر على رواية هذا التاريخ، لأنه كان يدرك أننا سنندم يوما لأننا لم ” نسمع جيدا ” كان يصر على ذلك عندما نجتمع بالأصدقاء.

كان الريف الهاجس الذي يشغل بال والدي، ولاشيئ غير ذلك، كان لايبرح مكانه في مكتب صغير. كان دائم الإنصات إلى المذياع ” للإشارة، أتى ابني بذلك المذياع، وهو موجود ضمن الأشياء التي تشير إلى ذاكرة الوالد” حيث كان ينصت إلى إذاعة لندن ” إذاعة بي بي سي ” كما كان يملك خريطة العالم.

لم يكن يشغل باله بأي شيء. كان انسانا بسيطا، شديد الحرص على البساطة، لا يهمه الترف والبذخ ، على الرغم من أن الملك فاروق” العاهل المصري آنذاك ” حاول، في عدة مناسبات، أن يوفر له كل ما هو في حاجة إليه، لقد قرر والدي، رحمه الله، أن يتخلى عن القصر، الذي منحه إياه هذا الملك، بعد أن أقمنا فيه شهرين فقط، كان يقول ” أنا لا أريد أن أعيش في القصور” كان هذا الرفض نابعا من قناعة شخصية مفادها أن بلده لن يستقل بعد، وشعبه يموت جوعا. ” كيف يمكنني أن أعيش في القصور؟ ” هكذا كان يقول.

غير أنه لم يرفض أشياء أخرى. أذكر أنه ألمت به وعكة صحية تستلزم عناية مركزة، فذهبنا إلى مدينة الإسكندرية كي يخضع للعلاج في مصحة ” مواساة” وهي خاصة بالملك فاروق، حيث قضينا ربما أزيد من شهرين. وكان برفقتنا عميل مخابرات، لأن مصر كانت تخشى أن يقتل الفرنسيون والدي. فهم لم يكونوا مجبرين على ذلك، لكنهم فعلوا ذلك من باب الإحتياط.

وكان الملك عبد العزيز آل سعود قد قدم الإقتراح ذاته، لكن والدي رفض الإقتراح، وقام بالأمر ذاته مع ملك العراق الشاب فيصل، الذي أرسل لنا سيارة جميلة أمريكية الصنع عن طريق السفارة العراقية في مصر، لكنه قبل هدية ملك العراق، بعد أن أقنعه أخي بكون الهدية لاترفض، إلا أنه لم يستعملها أبدا، فظلت هذه السيارة مركونة أمام البيت، غير أن أخي والآخرين كانوا يستعملونها. هكذا كانت شخصية والدي، كان يرفض المال، الذي يتقاطر علينا.

عندما كنا في جزيرة ” لارينيون ” حيث نفى سنة 1926، كان يحدثنا لساعات عن المغرب، بل إنه كان يحدثنا عن الريف. الريف .. الريف .. الريف ، لا شيئ غير الريف. يجب أن أقولها بصراحة، ففي نظره، لاشيئ أفضل من الريف، ومن شعبه، وتينه، وبحره، وأسماكه، وهوائه، وسمائه، .. ومن شدة هذا التعلق، كان يسألنا دائما عن موقع المغرب، ويطلب منا أن نحدد اتجاهه في الأفق. كنت أسأله عن موقعه، ليجيب قائلا ” هناك خلف البحر” .

كان حبه لنا أيضا جارفا، حيث إرتبط بنا أيما ارتباط، وبعمي الذي عاش معنا في المنفى، كان حريصا على ألا نذهب بعيدا إذا غادرنا البيت، ويظل ينتظر عودتنا، ويخاف علينا، كان صاحب عقل منفتح …
لم يقس علينا قط، ولم يشدد علينا، لم يكن هذا من طباعه وسلوكه
وبالرغم من أننا كنا نخالف أوامره وتعليماته، لأننا كنا شبابا، إلا أنه كان يتفهم ذلك، حيث كان يسامحنا، في غالب الأحيان، على مخالفاتنا، خاصة أن المرحلة آنذاك، كانت تتسم بالتشدد. إذ لم يكن هناك غير الإخوان المسلمين، ورموزهم من أمثال حسن البنا وحسن الهضيبي. كما كان يرفض أن نذهب إلى السينما. لكننا كنا نتحايل عليه، حيث نطلب منه أن نخرج إلى الشارع برفقة أحد إخوتنا الستة.
وفي الآن ذاته، لم يرغب في أن يحرمنا من كل شيئ، هكذا، عندما كنت أذهب إلى السينما، وبعد أن أعود إلى البيت، كان يسألني ” أي فيلم شاهدت اليوم في السينما ؟ ” ولأنني لم أكن أريد الكذب عليه، كنت أجيبه على الفور على سبيل المثال : ” كاو بوي ” . كان يفاجئني عندما يطلب مني أن أحكي له قصة الفيلم.

كان همه الوحيد هو الإهتمام بالريف والريفيين. لكن، وعلى الرغم من هذا الإهتمام الطاغي على حياته، لم يكن يائسا…

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock