أخبار الريفالريف بعيون الريفيين

مصطفى الحمداوي يكتب عن عين زورة

مصطفى الحمداوي

تبعد مدينة عين زورة عن الدريوش بحوالي 40 كيلو مترا، وهي نفس المسافة تقريبا التي تفصل الدريوش عن العروي، ولكن شتان بين المسافة النفسية بين العروي وبين الدريوش. عين زورة شجرة طيبة تمتد أفنانها لتشمل مساحة شاسعة من قبيلة امطالسة، لتعانق في الأخير القلب المركز لمدينة الدريوش. أذكر قبل 17 سنة، وقبل هجرتي البلد، وفي سوق الدريوش كان الباعة يتباهون بالمنتجات الفلاحية لعين زورة. اليقطين الحلو( الg رعة ) وشكله الجميل الفريد، واللفت المتميز بحجمه وحلاوته، والجزر بلونه الزاهي الذي يبهج النظر. إنها أصناف من الخضراوات التي لا يمكن للمطبخ في الدريوش أن يستغني عنها ويثري بها نكهة وجبات أكل لذيذة تكتسب طابعها الخاص من جودة خضراوات عين زورة المتنوعة المعروفة بجودتها العالية.

عين زورة ورغم المسافة الجغرافية المعتبرة التي تفصلها عن مدينة الدريوش نسبيا، إلا أنها أقرب عاطفيا للمدينة وسكانها وكأنها تقع على مرمى البصر من الضفة الجنوبية لوادي كرت. وبالمقارنة مع ميظار مثلا الذي لا يبعد إلا ب 15 كيلو مترا عن الدريوش، سنجد البعد العميق في سوسيولوجيا المجتمع بين ميظار والدريوش، ولكن سوسيولوجيا المجتمع في عين زورة هي ذاتها سوسيولوجيا المجتمع في الدريوش. إذن هي قصة تزاوج حضارة وقبيلة أصيلة، هي قبيلة امطالسة ذات الحساسية الإيجابية المختلفة عن باقي القبائل. قبيلة امطالسة المنفتحة على الآخر، المحتضنة لكل الثقافات، القبيلة التي لا تعرف الانغلاق ولا تقبل به.

وعين زورة ليست فقط فلاحة وتسويق منتجات زراعية إلى خارج مجالها، بل هي رأس مال كبير، وقدرة استثمارية هائلة. أزعم بأنه لولا الرساميل التي تدفقت من عين زورة إلى الدريوش، ولولا الاستثمارات القوية في مجالات العقار والتجارة بمختلف أنواعها التي استقرت بمدينة الدريوش، لولا كل ذلك لما كان الدريوش كما هو عليه حاله الآن. عين زورة أمدت وضخت في شرايين اقتصاد الدريوش حيوية مستمرة لا تزال تلعب دورا كبيرا في تنمية المدينة التي أصبحت الآن عاصمة للإقليم. رجال أعمال من عين زورة وظفوا أموالا ضخمة في مختلف القطاعات الاقتصادية المشغلة لليد العاملة، ولعل كل من استثمر أمواله، وكل من فتح أوراشا في الدريوش من أهل عين زورة لن يندم أبدا، لأن مستقبل الدريوش سيكون مشرقا، وسيكون أفضل من الحاضر حتما، والتجارة فيه ستزدهر أكثر فأكثر، والعقار سيصبح بقيمة جد عالية. وبهذا تكون عين زورة، كما أفادت مدينة الدريوش وكانت له رافدا أساسيا في تنميته، فقد استفادت هي الأخرى في النهاية، وهو رهان عفوي جاء من منطلق الانتماء إلى فضاء ليس بغريب على عين زورة، بل هو مجالها وموقعها الطبيعي.

ينبغي لأوراش الإصلاح والتنمية أن تلتفت الآن إلى هذه المنطقة الغنية بمواردها البشرية والطبيعية، وعلى المسؤولين الانتباه بحرص وبنباهة تقتضيها الضرورة، إلى إنصاف هذه المنطقة المعطاء، ودمج عين زورة في كل البرامج التي تروم تأهيل البلديات والجماعات في الإقليم.
عين زورة تزخر بتاريخ وتراث عميق جدا، ولعل مرد غنى موروثها الحضاري والثقافي يعود بالأساس إلى كونها ظلت دوما على الحد الفاصل بين قبيلة امطالسة وقبائل الجنوب غير الأمازيغية. ومن منا لا يذكر أغنية:

” رgبت على عين زورة وتشوش خاطري وشحال بكيت ”

أغنية جد شائعة، وقد تداولتها الأجيال جيلا بعد جيل، ولا تزال هذه الأغنية صامدة لحد اليوم، لأن كل جيل يغنيها بأدوات عصره، ويغنيها بالنبرة التي تلائم عصره. إنها أغنية تجسد التلاقح الثقافي الذي عرفته هذه المنطقة على مر الزمن، وترمز إلى قيم المحبة وروح تقبل الفن والتغني به، والاستمتاع به. وهكذا هي عين زورة، أغنية رقيقة جد معبرة، وزهرة يانعة بين التلال، متفتحة ومتفجرة بالجمال والحياة.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock