أقلام حرةمعتقل

مقال للأستاد محمد جلول حول افتتاح كرسي العروي والدولة الوطنية والايديولوجيا القومية العربية واشياء اخرى الجزء الثاني

متابعة حراك الريف

ولا تتوقف المفارقات الغريبة التي سقط فيها العروي عند هذا الحد، بل ما يثير الحيرة حقاً هو كيف لمفكر يدعي الإلمام بالمفاهيم وبالترجمة أن يخلط بين الدولة الوطنية والدولة القومية ويربط بينهما كما لو انهما مترابطتان ويظعهما في نفس المقام وفي نفس الكفة في مواجهة مايسميه خطر الإنحلال والعودة إلى سلطة القبيلة، في حين أن القومية أصلا ذاة حمولة قبلية مشتقة من كلمة قوم، فبخلاف الرابطة الوطنية التي توحد بين جماعة من الناس على أساس الإنتماء إلى الأرض / الوطن دون الإعتبار للأصول العرقية أو الإنتمائات المذهبية،فإن الرابطة القومية خلاف ذلك تماما تقوم على أساس وحدة بشرية منغلقة على ذاتها ،تتخذ أشكالا عرقيتا / دمويتا أو دينيتا مذهبيتا ،وهي في كثير من الأحيان والحالات تتخذ أشكالا متطرفتا متعصبة للعرق أو للدين وتنبذ الأخر وتحتقره أو تقصيه أو تلغيه،وبسببها نشبت عدة حروب وصراعات متطاحنة ، كالقومية الجرمانية والحربين العالميتين الأولى والثانية، والقوميات الدينية وصراعات والتصفيات التي قامة بإسمها وأدت حتى إلى إنقسام كيانات وطنية كما حدث في الهند وإنفصال (بكستان) عنها، وكذالك إنفصال (كاشمير) وما حدث في أوروبا الشرقية مع القوميات المسلمة، والصراعات الطائفية في لبنان …الخ .
-كما لا يجب أن نغفل عن أن الصعود القوي اليوم لما يسمى بالأحزاب القومية بأوروبا يأتي تزامنا مع تصاعد موجة الكراهية ضد الأجانب والمسلمين منهم خصوصا، والأخطر من ذلك كله أنه عندما تتخذ القومية الخصوصية الأكثر شموليتا والأكثر تجذرا حيث يصبح الإنتماء إلى العرق أو الى المذهب يسموا على الإنتماء الوطنيِ ، فتتشكل الجماعات المنغلقة على ذاتها على شكل قبائل كونية تتخطا بكل سهولة كل أشكال الحدود الوطنية ، على سبيل المثال الداعشية.
-و في نفس السياق نحن ندرك جيدا أن الأستاد العروي عندما يذكر الدولة القوميةَ فإنما يقصد منها القومية العربية ويتحاشى أن يقول ذلك بشكل مباشر، نعم لأن هذه الايديولوجيا هي البراديغم التي بقي حديثا لها طيلت العقود الماضية، والتي أطرت ولازالت تأطر مفاهمه ورؤيته للعالم وكل مواقفه، وتحكمت في تاريخانيته التي سعى من خلالها كمنظر ايديولوجي الى جانب اخرين الى التوجه العقلي و تأطيريه في كل المجالات ضمن حقيقة تاريخية واحدة و وحيدة بمركزية مشرقية تلغي كل الحقائق و المكونات و الممكنات الاخرى التي تنتمي الى المجال الجغرافي الذي يطلق عليه تعسفا العالم العربي، وذلك من منطلق اعتماد تأويل انتقائي للتاريخ ينسب كل شيء ايجابي او حضاري او مدني او شريف…الخ الى اصل مشرقي عربي، و بالمقابل ليس فقط ينكر أي دور حضاري و أية تأثير ايجابي للمكونات الاصلية المنتمية إلى هذا المجال بل اكثر من ذلك يرمي بها في دائرة القبلية البدائية و الفوضى و السيبة والغي والظلال والجاهلية وفي دائرة اللاحضارة واللادولة…الخ وتاليا فهي لا يجب ان توجد بل يجب ان تذوب او تذاب ضمن الثقافة و التراث و الحضارة المشرقية باعتبارها الاسمى، وفي احسن الاحوال يعترف بها و لكن بشرط ان تبقى المشرقية هي الاصل والاخرى من الثقافات الاصيلة مجرد هوامش و مكونات فلكلورية او بقايا اثرية لحضارات منقرظة لتأثيث الواجهة السياحية.
-و تاليا من هذا المنظور فيفهم من خطاب العروي والايديولوجيين القوميين ان كل صوت أصيل يحاول ان يعبر عن ذاته وثقافته ويدافع عن حقها في الوجود واعادة الاعتبار لها… على انه دعوة الى العودة الى سلطة القبيلة البدائية والى الفوضى و الى السيبة و اللاحضارة واللادولة، ولعلى هذا مايقصده العروي على غرار عدد الرواد من ايديولوجيين القوميين الذين ينتصبون ضد هذه المطالب المطالبة بالحق في الخصوصية والحق في التعدد والتنوع، ولا يتوانى البعض منهم اعتبار مثل هذه المطالب مخططات إمبريالية لتفتيت الدول وزعزعة الاستقرار وتهديد الامن الداخلي والوحدة الوطنية… الى غير ذلك من ذرائع لإسكات هذه الاصوات المغبونة المضطهدة وهو مايعد خطابا عنصريا شوفينيا اقصائيا مقَّنعا بلغة ناعمة مغالطة واسلوبا سوفسطائي.
-أستغربت كيف لمفكر يدعي العقلانية والدفاع عن قيم الحداثة، لازال يصر على الدفاع عن مايسمى بالقومية العربية ، ولازال يحشد لها الدعم وينضٍر لها رغم أنه يعرف أنها ايديولوجيا قائمتا على خلفية تيولوجية وعرقية عنصرية، وهو كمؤرخ يعرف تمام المعرفة كيف ولدة كفكرة ويعرف الؤسطورة التي تقوم عليها والشروط التارخية التي نشأت في ظلها ،ويعرف تمام المعرفة أيظا أنها كانت مجرد حاجة لحظية وكحيلة إلتجأ إليها رواد النهضة خلال القرن19 لتوظيفها كوسيلة للتجييش والتعبئة ضد الهيمنة العثمانية، أو قل ما تبقى منها على أساس الدعوة إلى إقامة خلافةٍ إسلاميةٍ عربيةٍ بديلةٍ عن الحكم العثماني مقرها الحجاز منها ثم بعد ذلك ضد الإحتلال الأوربي وتنظيم المقاومة بإسم الدفاع عن العروبة والإسلام، وهو كمؤرخ يعرف تمام المعرفة كذلك أن فكرة القومية أصلا هي فكرة مستعارة من أوروبا ، لا أصل لها لا في الدين الإسلامي ولا في ما يسميه التراث العربي ، ويعرف أنه قد تم استيراد هذه الفكرة من طرف رواد النهضة ولبسوها بؤسطورة تقوم على عقيدة تفوق العرق العربي والنسب القريشي ،وأحقية الخلافة و القيادة لهم لوحدهم دون غيرهم من الأمم والأجناس ، والكواكبي وهو من أبرز رواد النهضة وأبرز المؤسيسين لجمعية أم القرى بفرنسا، والتي أطرت للإيديولوجية العربية خلال المرحلة، يقول مايلي :(إن العرب هم أقدم الأمم إتباعا لأصول تساوي الحقوق وتقارب المراتب في الهيئة الإجتماعية… وأعرق الأمم في أصول الشورى في الشؤون العمومية، وأهدى الأمم لأصول المعيشة الإشتراكية… ومن احرس الأمم على احترام العهود عزتا ،و احترام الذمة إنسانيتا، واحترام الجوار شهامتا، وبذل المعروف مروئتا،وأنسب الأقوام لأن يكونوا مرجعا في الديني وقدوتا للمسلمين ،حيث كان بقية الأقوام قد إتبعوا هديهم إقتدائا، فلا يأنفون إتباعهم أخيراً ، ولذلك قررت جمعية أم القرى أن تعتبر العرب هم الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية وبأنهم المقصود من الأية (كنتم خير أمة أخرجة لناس) وليس المقصود منهم كل العرب عامتا وإنما العرب الأصليين أهل مكة القريشيون).
-نعم هذه هي الأسطورة التي تقوم عليها الإيديولوجية العربية، ونحن لا نلوم الرواد الأوائل للنهضة الذين أسسوا لها،لأنها كانت حاجة تاريخية آنذاك بالنسبة إليهم، ولم يجدوا حيلة غيرها للتعبئة الجماهيرية لتنضيم المقاومة، خاصة في ظل ضرفية تاريخية كانت تتسم بالفراغ الفكري و الهيمنة العقلية الأصولية الدينية و السلفية.
-نعم لذلك لا نلوم هؤلاء الرواد، و نتفهم ظروفهم، ولكن نلوم عبد الله العروي وأمثاله الذين يصرون على الدفاع عن ايديولوجيا عنصرية إقصائية تؤمن بالتمييز العرقي، تؤمن بالعرق الواحد و الثقافة الواحدة والتاريخ الواحد و بمركزية مشرقية و رمي ما دون ذلك في دائرة الإقصاء والتهميش والنسيان، ايديولوجيا استنفذت مهمتها في لحظتها التاريخية ولم يعد هناك اي مبرر للتمسك بها، حيث أصبحت مضرة تشرعن للإقصاء واحتقار الآخر، ولطاما وظفتها الأنظمة الاستبدادية لفرغ المركزية والأحادية الثقافية و اقصاء كل المكونات الثقافية الاخرى تحت ذريعة الدفاع عن المشروع القومي الوهمي.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock