أقلام حرةمعتقل

مقال للأستاد محمد جلول حول افتتاح كرسي العروي والدولة الوطنية والايديولوجيا القومية العربية واشياء اخرى الجزء الاول

متابعة حراك الريف

-اطلعت على نص المحاضرة التي القاها مؤخرا المؤرخ المغربي عبد الله العروي بمناسبة إفتتاح كرسي الذي سيحمل اسمه بكلية الاداب بالرباط وذلك بمبادرة من السلطات الادارية الجامعية، واكثر ما اثار استغرابي فيها، هو كما لو ان المناسبة تأتي في لحظة فارقة يشهدها العالم، وكأنه يعيش على اعتاب نهاية التاريخ والحضارة البشرية، وتاليا العودة الى حالة القبيلة البدائية الاولى، على شاكلة العالم المتوحش كما تصوره لنا افلام ماد ماكس وليس ذلك بسبب التدهور البيئي الخطير الذي يشهده كوكبنا، او بسبب خطر نشوب حرب نووية وشيكة، او شيء من هذا القبيل، وانما بسبب مايراه من تفكك وانحلال اصاب الدولة الوطنية او القومية حسب ما ذهب اليه في محاضرته.

-هذا ما يبدو من خلال كلمته المفعمة بالتهويل والتحسر الى درجة انه يختزل كل ازمات الارض في هذا “المصاب”، متشائما في بمستقبل قاتم للبشرية ستعود فيه السلطة للقبيلة، وستتوقف فيه الحضارة، لأنها لايمكن أن تنجز الا في إطار الدولة الوطنية/القومية التي يتحدث عنها كواقع قائم وليس كمشروع نطمح اليه حسب مافهمناه من كلامه، ومن ثمة فهو اتى او تم الإستنجاد به بدق ناقوس الخطر والدعوة لإنقاذ ما يمكن انقاذه؟؟؟
-بعيدا عن النظرة التقديسية للشخص المفكري، و بعيدا عن النظرة الانبهارية بالصيغ البلاغية للجمل، واللتان تأخذان الكثيرين، وتسدان امامهم كل الابواب لنفاذ الى النص والتعامل معه بموضوعية وبنظرة نقدية فاحصة بعيدا عن الاحكام المسبقة، وبعيدا عن لغة جبر الخواطر، فإنني شخصيا ارى ان محاضرة العروي تفتقد إلى الاقناع الفكري، فهي عبارة عن كلام لا يمكن للقارئ ان يخرج منه بنتيجة الا مايريد العروي ان يمليه من استنتاج، وتحس به او قل تستشف من كلامه انه يريد ان يمرر مواقفا إيديولوجيتا ولكنه يتحاشى ان يقول ذلك مباشرة فيلجؤ الى أسلوب المواربة و تحس انه هو نفسه غير واثق بما يقوله ويمتلكه الشك و الريبة من المستقبل.
-نستغرب كيف ان الاستاذ العروي في معرض حديثه عن ما يسميه تفكك و انحلال الدولة الوطنية/القومية يستعجل الحكم ويجزمه، فهو لا يطرح هذه اشكالية كموضوع للنقاش او على الاقل كوجهة نضر خاصة به ليترك المجال لرؤى اخرى قد تخالفه ولو جزئيا في استنتاجاته، بل يطرحها كتحصيل حاصل وكمعطى يجب التسليم به على غرار المسلمات الفقهية التي يقدمها الواعض الديني، فهو يريد منا ان نصدقه بدون دليل واقعي ولا استبيان فكري ولا منهجية علمية كاشفة يوضح لنا من خلالها كيف كون استنتاجه؟ وكيف حصل حكمه؟ ومن دون ان يشاركنا في ضبط المفاهيم والمصطلحات ودلالاتها: ماذا يقصد مثلا بالدولة الوطنية و بالدولة القومية؟ لماذا ربط بينهما؟…الخ، ومن دون كذلك ان يقدم لنا الحجج الواقعية التي استند اليها، اين ومتى و كيف يحدث ما يقوله؟ وهو ربما يريد منا ان نصدقه بناء على ما تروجه بعض القنوات و الأبواق من صور و دعايات سياسية وايديولوجية.
-فبكل إختصار فالاشكالية قائمة ولا جدال فيها والأمر محسوم بالنسبة اليه وهو يستعجل ويريد ان يذهب بنا سريعا و مباشرة الى الحديث عن ما بعد الاشكالية عندما يطرح التساؤل عن ما البديل للدولة الوطنية/ القومية؟ وليس ذلك فقط، بل الاكثر من ذلك، فهو يستبق الجواب
بطريقة غير مباشرة عندما يطرح تساؤلات على شكل أجوبة ترسم آفاقا مسدودتا، كمن يريد ان يقول لنا: ليس لنا بديل سوى التمسك بما لدينا والعض عليه بالنواجد، و يتحاشى ان يقول ذلك بالصيغة المباشرة و الاغرب من ذلك كله فهو يعمم الحكم كما لو ان العالم كله يعيش على شاكلة واحدة، ويواجه نفس التحديات ونفس المصير، فهو يكون لنا صورة كما لو ان العالم كله ينعم بالدولة الوطنية/القومية كوضعية متحققة ومنجزة في جميع بقاع الارض بلا استنثناءات وحتى عندنا، و هو اليوم أي: العالم مهدد بفقدان هذه نعمة؟؟؟ وهو بذلك يدافع ضمنيا وبشكل مباشر على كل الانظمة السياسية حتى منها الاستبدادية.

_استغرب للمفارقات العجيبة التي سقط فيها العروي سواءا على مستوى المنهجي أو على المستوى المضمون فهو في محاضرته يناقض نفسه على الفور و بشكل صارخ و فادح حيث في الوقت الذي يؤكد فيه على ضرورة الضبط المفاهيمي و المصطلحي وعلى ان كل إشكال يجب ان يطرح في نطاق اين؟ ومتى؟ يأتي في معرض حديثه عن الإشكالية الاساسية ليعفي نفسه من ذلك، وأخذ يستنتج ويجزم ويعمم ويخلط المفاهيم، من دون مقدمات ولا تحديد، ولا استثناءات، ولا دلائل واقعية، وهو من حيث المضمون يبدو وكأنه يعيش في عالم آخر خاص به لا علاقة له بعالمنا، حيث ان الواقع مغاير تماما لما يقوله .
-فنحن نعيش في لحظة تاريخية يشهد فيها مايسمى بالعالم الغربي صعودا قويا لما يسمى بالاحزاب اليمينية الوطنية والقومية من جهة، ومن جهة أخرى في ظل وضع دولي جد متباين، توجد فيه بلدان مهيمنة و أخرى مهيمن عليها تنتهك سيادتها وثروتها، و تتعرض مجتعاتها لغزو ثقافي ينزع عنها كل خصوصية، و بلدان قطعت أشواطا مهمتا على درب الديموقراطية وتحقيق الدولة الوطنية التي تتسع لكل مواطنبها وتمثل كل مكوناتهم الثقافية و الجهوية وهناك بلدانا استبداديتا تسودها أنظمة قائمتا على الغلبة او الدعم الاجنبي الاستعماري غير المباشر، وهي ذات طبيعة قبلية أو عشائرية او طائفية أو مذهبية او أقلية مستفيدة… ولكنها تضفي على نفسها طابع الدولة الوطنية او القومية أو الديموقراطية.
-كما أن هناك شعوبا تناظل وتثور من اجل حقها في وطن يتسع للجميع، ومن اجل حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية المشروعة، وهناك بلدانا تعيش صراعات داخلية ليس لكونها كانت بالأمس دولا وطنية اصبحت اليوم مهددة بالعودة الى السلطة القبلية كما يتم ترويج لذلك، بل لأنها لم تكن أبدا وطنيتا أو ديموقراطيتا، وكانت مكوناتها مخنوقتا طيلة العقود الماضية تحت نير انظمة الاستبدادية احادية تضفي على نفسها طابع الدولة الوطنية أو القومية، واليوم هذه المكونات تتطلع لإيجاد مكانها المشروعة داخل وطنها.
-أما على مستوى بلادنا فلا يستطيع العروي ان ينفي أنه لم تتحقق لدينا بعد تلك النقلة التاريخية الى الدولة الوطنية الحقيقية بمفهومها الديموقراطي، القائمة على الارادة والسيادة الشعبيتين ، وعلى عقد اجتماع تشارك فيه كل المكونات الوطنية و الثقافية و الجهوية في بلادنا، ولا يستطيع كذلك ان ينفي ان النظام السياسي الراهن ببلادنا مازال مرهونا بتابعات إيكس ليبان والاصلاحات التعسفية الاستعمارية التي كان هدفها الحفاظ على مصالحها الدائمة في بلادنا و راهنه باستراتيجيته، هذه الاصلاحات هي التي كرست و تكرس السلطوية المركزية و التحكم و الاحادية الثقافية، وألغت التعددية الجهوية لبلادنا والتي كانت تميزه قبل الحماية وعلى مدى القرون الماضية نظرا لخصوصياته السوسيوثقافية المجالية المتعددة، وسيكون ظالما واقصائيا و عنصريا ومدافعا عن الباطل إذا كان يعتبر المطالب المشروعة المتعلقة بالحق في تعدد الجهوي و المطالب المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالحقوق المدنية و السياسية للجهات التاريخية الريف الكبير(نموذجا) نزوعا للعودة الى القبيلة، بدل ان يعتبرها مطالب مشروعة يجب ان تأخذ بعين الاعتبار من اجل صياغة وحدة وطنية حقيقية انطلاقا من الاعتراف بها كمكونات حاسمة وليس اعتبارها مجردة روافد ثقافية تذوب و تنصهر وهي في طريقها الى المركز. يتبع …
ترقبوا الجزء الثاني بعد غد

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock