معتقل

مقال للمختطف السياسي محمد جلول البطيوي من سجن طنجة2

محمد جلول

-الحياة الدينا لا تعني احتقار الحياة على الأرض
-إن الاعتقاد الخاطئ لحقارة الحياة وانتظار يوم القيامة من الأسباب الكبرى للجمود والتخلف
-إن الجنة تبتدء من الأرض ومن خدمتها

إننا نتغاضى عن قضية أساسية وجوهرية وحساسة،ربما هي التي تشكل من اكبر العوائق النفسية والفكرية للنهضة والتقديم،ومن الأسباب الجوهرية لكثير من مضاهر العبثية والتخطب والتناقضات التي تميز شخصية المجتمعات الإسلامية، ويتعلق الأمر بنظرتهم العامة السلبية الى الحياة بصفة عامة بعتبارها لا تستحق الاهتمام،فما الجدوى من الاهتمام بها ما دامت عندهم مجرد حياة فانية وزائلة ومجرد محطة قصيرة للعبور وجودهم فيها وجود مرقت؟!!! لماذا الاهتمام بها ما دامت عندهم لعب ولهو ومتاع الغرور؟!!!لماذا نعطيها القيمة ما دامت عند الله لا تساوي جناح بعوضة،وما دامت الحياة التي تستحق الاهتمام هي الحياة الأخرى الدائمة التي ليست هنا،إنما في مكان آخر؟!!!
-نعم هذه الأسئلة حاضرة بقوة وبشكل دائم في الذهنية العامة للمجتمعات الإسلامية وتؤرقها وتوجه مواقفها إزاء الحياة بل تتحكم فيها،وتتلخص بشكل عام كونها مواقف سلبية جدا و متشائمة تدفع المرء إلى تبخيس الحياة واحتقارها وازدرائها والنهوض الى وضعية الاستسلام أمام تحدياتها وصعوباتها،والركون الى القدرية والانتضارية،والرضوخ للأمر الواقع او التراخي في مواجهة تحدياته والتخبط في معالجة مشكلاته،خاصة في ضل فقدانه لرؤية بعيدة المدى تقوم على التخطيط للمستقبل والعمل من أجله،فلماذا التخطيط للمستقبل ما دامت الحياة على الأرض ليست للاستقرار؟!!!وهكذا تتسم حياة المرء بالتخبط و الانفعالية والعشوائية و المزاجية المتقلبة،حيث يعيش اللحظة ويتقلب بين التفاؤل والتشاؤم تبعا لطبيعة هذه اللحظة من دون اية اهداف او غاياة مستقبلية يخطط لتحقيقها او يعيش من أجلها.وهو عندما تتفاقم عليه المشكلات والصعوبات والمآزق يلتجئ الى العبادات والشعائر والفقهاء بالمعنى التقليدي او الزوايا والتمائم متوسلا بها الحلول لمعضلاته ومشاكله من دون ان يبذل اي مجهود عقلي او عملي لمحاولة تغيير واقعه.
-كما ان هذه النظرة الى الحياة يجدها كثير من الكسالى والعاجزين والفاشلين مبررا و متكأ لتبرير وتسويغ تخاذلهم وتقاعسهم وتهربهم من تحمل المسؤولية،والتقرير فشلهم في الحياة،ولإلهاء أنفسهم ولإرضاء خواطرهم،حيث يحاولون أن يساووا أنفسهم بالمجتهدين والناجحين والمتفوقين،قائلين لهم او لأنفسهم :بماذا انتم افضل منا؟!!!وما الفرق بيننا وبينكم ما دمتم في النهاية ستتركون كل شيء هنا في الدنيا وسنتساوى بيننا في القبور حيث كلنا سنصير تحت التراب؟!!! أو يدعون ان الله أعطى الحياة عل الأرض لكي يستفيد ويستمتع بها “الكفار”أما المسلمون فسيفوزون بالآخرة،بل هناك من لا يخجل ويقول أن الله صخر “الكفار”في الدنيا لخدمة المسلمين حيث هم يعملون ويجتهدون وينتجون والمسلمون يستفيدون من ذلك…وهكذا فإنهم بذلك ليس فقط يبررون فشلهم وعجزهم وتهربهم من المسؤولية،وإنما يحطمون عزائم الآخرين وينتقصون من مجهوداتهم ونجاحاتهم.
-كما انه أيضا فهذه النظرة السلبية إلى الحياة على الأرض تؤدي إلى ضعف الروح الوطنية،ضعف الرابطة التي تمت الإنسان بأرضه ووطنه وما يعنيه ذلك من غياب أو ضعف الإحساس بما يتوجب بذله من واجبات وتضحيات في سبيل الدفاع عن الوطن وفي سبيل رقيه وعزته وكرامته،وهذه النظرة السلبية تتظاهر كذا لك مع اهداف الأنظمة الاستبدادية الاوليغارشية التي تنزع إلى الحفاظ على مصالحها و احتكارها للسلطة والثروة،وتاليا تعمل على تخدير شعوبها بالمعتقدات الخاطئة من أجل تشجيعها على الركون إلى القناعة بالفتات وبأية وضعية مهما كانت مزرية وثنيها عن المطالبة بحقوقها والركون إلى الانتظارية في انتظار يوم القيامة لتنال حقوقها وسعادتها.
-تجدر الإشارة كذلك إلى أن هذه النظرة السلبية هي التي تدفع الكثير من الشباب المسلمين إلى تبني أفكارا مدمرة ومنها الفكر الجهادي الانتحاري الذي يستهدف الأبرياء في العالم حيث هذه النظرة الاحتقارية إلى الحياة ينظاف إليها وضع عالمي غير عادل يغلب عليه الظلم و الطغيان ويكثر فيه الحرمان. وغياب الوعي التنويري لدى الشباب بضرورة امتلاك رؤية عقلانية غير انفعالية و سلاح الصبر و النفس الطويل و وتقديم التضحيات من اجل كسب رهان التغيير نحو مستقبل أفضل للانسانية، هذا بالإضافة إلى التفسيرات الفقهية الخاطئة لمفهوم الجهاد و التي تضع كل من ليس بمسلم أو كل من يخالف مذهب الجماعة هدفا للجهاد، هذا كله يدفع الشباب إلى البحث عن الخلاص للتخلص من الحياة الحقيرة و الصعبة و اختصار الطريق للحصول على رغد الجنة الإستفادة مما هم محرومون منه في الدنيا وهم يعتقدون أنهم بذلك يحسنون صنعا.
-ولذلك فمن الواجب القول ان هذه العقيدة تقوم على فهم خاطئ ومجرب للدين الإسلامي ولكل الأديان السماوية التي لا يمكن أبدا ان تبغي أن تدفع الناس الى تبني هذه النظرة السلبية المشوهة إلى الحياة،نعم إن هذه النظرة السلبية تشكلت ونشأت لدى الناس انطلاقا من الاعتقاد الخاطئ الذي رسخته في أذهانهم و القراءات الفقهية القاصرة وتفسيراتهم الخاطئة للنصوص الدينية التي لم تستطع أن تفرق بين مفهوم الحياة “الدنيا”التي تذكرها النصوص الدينية وتتحدث عنها بإحتقار وتبخيس وتحذر الناس من الاهتمام الزائد بها،وبين الحياة الإنسانية العاقلة والخلافة كمفهوم ومقصود آخر لا يدعوا الدين ابدا إلى احتقارها او الى تبخيسها :فالحياة الدنيا لا تعني أبدا الحياة على الأرض.
-نعم انه من الواجب القول تصحيحا لهذا الفهم الخاطئ ان النصوص الدينية عندما تذكر الحياة الدنيا وتتحدث عنها بإحتقار وإزدراء وتدعوا الناس الى عدم الإهتمام الزائد بها،فإنما تقصد بها الحياة المرتبطة باللهف الأعمى وراء الربح المادي و بالشهوات والأهواء البشرية وليس الحياة على الأرض بصفة عامة، فالنصوص الدينية تتحدث بإزدراء عن الحياة الدنيا،و الدنيا تعني السفلى والمنحطة :اي المقصود منها الحياة البشرية التي لا تهتم إلا بما تمليه الغرائز والشهوات والأهواء الأنانية للإنسان،وليس الحياة التي تهتم بالجانب الروحي الأخلاقي للإنسان التي ترتقي به درجات العلا عن مستوى الحياة البهيمية مصداقية لقوله تعالى . {من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون }الآية 97 سورة النحل
-نعم فالله لم يخلق الانسان عبثا،ولا يمكن أن يجعله خليفة في الارض ويحمله امانة و مسؤولية عمارتها و اقامة العدل فيها و الحفاظ على توازنها وفي نفس الوقت يدعوه إلى احتقارها و ازدرائها وتحويلها إلى قبر ، فالله لا يناقض نفسه، إن الله يرشدنا و يهدينا لكي نرتقي من الحياة الدنيا البهيمية الشهوانية والمرتبطة بالاهواء والزعة الأنانية التي تجعل المرء لا يفكر سوى في نفسه ومصالحه الضيقة وتلبية رغباته و نزواته وجشعه، إلى حياة الانسانية الأخلاقية المسؤولة التي ترتقي بالإنسان إلى درجات العلا كلما جاهد نفسه و وجهها في خدمة الخير العام والنضال في سبيل الوطن و المجتمع ومن أجل الانسانية العامة ومستقبل الأجيال القادمة، بالعلم والعمل والكفاح والتضحية و الصبر والإخلاص و الصدق وإتقان الصنعة والعمل وحسن المعاملة… مصداقا للحديث النبوي<< رحم الله عبدا عمل عملا فاتقنه>> و << إن الدين المعاملة >>.من دون ان يعني ذلك ان يحرم الإنسان نفسه من نصيبه من الدنيا طبعا.
– ان الاسلام انطلاقا من مقاصده السامية لا يدعونا أبدا إلى إلغاء الحياة أو إهمالها أو حرمان الاستمتاع بجمالها وخيراتها او إلى هجرانها وهجران مجتمعاتنا و مشاكلها و الانزواء بأنفسنا و التفرغ للعبادات بحثا عن الخلاص الفردي، فهذا تعبير عن الضعف والعجز و الجبن ، وتهرب من تحمل المسؤولية، بل يعد ذلك تعريفا خطيرا لمفهوم العبادة، فعبادة الله الحقيقية يجب أن تتجلى في كل تصرفاتنا و سلوكاتنا في مختلف مجلات حياتنا يجب ان تتجلى في تصفية قلوبنا من الحقد والانانية، وفي حسن معاملاتنا مع الناس، في تحمل مسؤوليتنا و القيام بادوارنا و واجباتنا اتجاه أسرنا و مجتمعاتنا و أوطاننا و الانسانية عامة و مستقبل الأجيال القادمة و هذا هو سبيل النجاح والسعادة.
-نعم إن مدى عبوديتنا لله يجب ان يتجسد في مدى قيامنا بمهمة الخلافة على الأرض و التفاني و الإخلاص في أداء ادوارنا وتحمل مسؤوليتنا، وفي مدى حبنا لأوطاننا، و في مدى خدمتنا لمجتمعاتنا والإنسانية عامة، ومدى حرصنا و خوفنا على مستقبل كوكبنا الازرق… وقد وعد الله أن ارضه سيرثها في نهاية المطاف عباده الصالحون، أي أن الأرض منها تبتدئ الجنة و المستقبل عليها سيكون من نصيب الصالحين الذين يناضلون و يصبرون و يكافحون من اجل أداء الأمانة مصدقا لقوله تعالى{ولقد كتبنا في الزابور من بعد الذكر أن ارضي يرثها عبادي الصالحون }وقوله تعالى {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى اذا جاؤوها وفتحت ابوابها و قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده و اورثنا الأرض نتبؤ من الجنة حيث نشاء ، فنعم أجر العاملين}الآية 70-71 سورة غافر.
– لذلك يجب أن تتغير نظرتنا إلى الحياة و إلى وجودنا على الارض، يجب أن نحب كوكبنا و أوطاننا والإنسانية ونفني أنفسنا في خدمتها بكل ما نستطيع. يجب أن نرضى بهذا الوجود كل الرضى رغم كل الصعوبات والآلام والعقبات التي تقف امامنا مع استعدادنا وعزمنا على اقتحام ومواجهة تلك الصعوبات والتحديات متسلحين بالأمل والصبر والإصرار على مواصلة التحدي بنجاح في امتحان الحياة. يجب أن يدرك المرء أن من تخاذل و تقاعس في مواجهة تحديات الحياة فلا يجب أن ينتظر أن تتغير أحواله نحو الأحسن. فمن لا يحب الصعود الجبال بقي ابد الدهر بين الحفر، كما يجب أن يدرك أن القيام بالشعائر التعبدية لا يمكن ان تحل محل واجب العمل والكفاح وطلب العلم وكل المسؤوليات الملقاة على الإنسان في مختلف المجالات واتجاه أوطاننا و مجتمعاتنا و الانسانية عامة واتجاه مستقبل كوكبنا الازرق، فالله يساعدنا عندما نقوم بالواجبات و نجاهد من اجل التغيير و ليس أن نبقى مكتوفي الأيدي متوسلين من لله ومنتظرين منه أن يبعث أحدا من السماء ليقوم بالعمل نيابة عنا،وسأختتم بحديث نبوي شريف يوضح بشكل جلي وبليغ النظرة الصحيحة للدين الى الحياة ليغنينا عن كثير من التحليل ومضمونه انه اذا قامت الساعة وكان في يد أحدكم فسيلة ويستطيع ان يقوم ويغرسها فليفعل ذلك.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock