أقلام حرة

مقال للمعتقل السياسي الأستاد محمد جلول تابع للموضوع السابق شيء حول نتشه وماركس

محمد جلول

لقد خلصنا من خلال الموضوع السابق إلى أن العديد من المفكرين الماديين ومن بينهم الذين يبدون أشد عداوة للعقائد الإيمانية ولكل فكر مثالي من خلال تنضيراتهم لم يكونوا بأنفسهم مقتنعين في دواخل أعماقهم بإلحادهم….
_حيث كانوا مستائين من والواقع الديني الظالم والمظلم والذي جثم على صدورهم لقرون من الزمن وكانوا أشد إهتماما بالقطع مع هذا الواقع بأي وسيلة أكثر منه من الإهتمام بهذه الوسيلة ذاتها والتي تحتاج الى التأني والبحث لتحري الحق من الباطل وكان سيكشف ان المشكلة ليست في الأديان…
_نعم إن هؤلاء مستعجلين للقطع مع هذا الماضي وجاء تبنّيهم لعقيدتهم الإلحادية كنوع من التمرد المتعصب على هذا الواقع الديني وكل ما يمت بصلة إليه من عقائد إيمانية وأفكار وقيم مثالية حيث كانوا يرون في ذلك أفضل وأسهل وسيلة لتقويض كل الأسس والمبررات التي يقوم عليها النضام الإكلروسي…
_ليس فقط للقضاء على هذا النضام الإكلروسي الذي طغى وإضطهد وإستعبد وحارب العلم والعلماء وحرية النقد والتفكير لعدة قرون ، وإنما أكثر من ذلك دَرءً لخطر عودته مستقبلا ومعه كل نضام أخر سيحاول ان يقوم على إستغلال الأديان…
_ولذلك كانوا يدوسون على قلوبهم ويبالغون في تلبية نداء عقولهم لمناصرة عقيدتهم الإلحادية ومعاداة كل عقيدة إيمانية وكل أفكار وقيم مثالية والسعي الى تفكيكها وهدمها بكل وسيلة وغض النظر عن كل ما فيها من حسنات…
_ونرى نتشه مثلا كيف يبالغ في إظهار القسوة وعدم الرحمة وتنكر لكل أخلاق مثالية ،معتبرا إياها مجرد اوهام ومجرد مبررات للضعفاء ، ومعتبرا في المقابل ان القوانين التي يجب ان تسود هي قوانين الأقوياء ، قانون السبرمان او الإنسان الأعلى الذي يجب ان يثبت نفسه عبر إرادة القوة بلا رحمة في غمار الصراع مع الأخرين…
_ولكن هذه العقيدة القائمة على القسوة وعدم الرحمة وتنفي أية أخلاق والتي يبدو أنه إستقاها من النظرية الدروينية وقانونه الإصطفاء الطبيعي ، سيظهر انه لم تكن نابعة من صدق مشاعره ، وإنما فقط ضدا في المسيحية التي حوّلة رجال الدين تسامحها الى نوع من الرضوخ والإستسلام للأمر الواقع والى نوع من المسكنة والمذلة…
_نعم إن كل ما حاول نتشه أن يكبحه من مشاعر في قلبه طيلة حياته ليبدو عكس جوهره الداخلي وذلك مناصَرتً لعقله وعقيدته الإلحادية، سينفجر في أخر مشواره وستظهر حقيقة نتشه الإنسان المرهف الأحاسيس …
_نعم ستنفجر مشاعره عندما حدث ذات يوم ان مر أمامه أحد الحوذيين يقود عربة وينهال على حصانه الذي إمتنع عن التحرك ضربا بالسوط، فيهرع نتشه نحوى ذلك الحصان معانقا إياه وتنهمر دموعه يبكي مثل طفل صغير ثم بعد ذلك سيصاب بالجنون لأن عقيدته اوصلته الى العدمية والنفق المسدود…
_ولكن للأسف الشديد فإنا المأسات لم تتقوف عند نيتشه الشخص المنضر بل ان عقيدته ستكون من بعده أساسا لقيام الفكر النازي في ألمانيا وتداعياته الكارثية في العالم والذي بدوره اي هذا الفكر النازي سيصل الى العدمية والنفق المسدود…
_ويجب القول في سياق مشابه ان ماركس لم يكن في الحقيقة معاديا للأديان وللمثالية ، ولم يكن يبدي اي حقد او كراهية ضدها ، وإنما هو إنسجاما مع عقيدته التي تقوم على النزعة المادية وحدها كأساس كل شيء وكل فكر …
_فإنه بذلك ينفي اي أصل روحي او مثالي للأديان ويعتبرها نابعة من همٍ مادي واقعي وانها كانت حاجة ماديتا في مرحلة من مراحل التطور الفكر الإنساني تجاوزها الزمن …
_لذالك فهو يدعو الى تجاوزها لأنها أصبحت أفيونا للشعوب وذلك بفصلها عن السياسة والدولة وتجاوزها لدى الأفراد ولكن عن طريق الوعي والإقتناع بذلك وليس إستئصالها بالقوة والإكراه…
_ نعم بالوعي والإقناع وليس كما فعل للأسف أولائك الذين جاؤوا من بعده وإرتكبوا مجازر وإبادات وإستئصال في حق الأديان والثقافات والتراث الإنساني بإسم العقيدة الماركسية لتصبح هذه العقيدة التي جائت أصلا ضد إستغلال الأديان لستبداد الشعوب هي نفسها تُسْتَغَلُ للغرض ذاته…
_ونختتم ونقول إذا كانت الماركسية تقول ان كل شيء يقوم على النزعة المادية ، فأي نزعة وأي مصلحة مادية ستجعل ماركس ورفيقه إنجليس يضحيان ويكرسان حياتهما في سبيل الدفاع عن المقهورين ويتمسكان بمبادئهما رغم كل المصالح الماديةالتي كانت متاحة أمامهما للتسلق طبقيا…
_أليس بالأحرى إنسانيتهما وأخلاقهما المثالية النابعة من أعماق روحيهما هي التي حركتهما ليرفضا الضلم وألا عدالة ؟!!! أليس كثير من الأشياء يقوم بها الناس من دون دوافع مادية؟!!! أليس كثير من الأحداث الكبرى التي غيرت التاريخ الإنساني كانت دوافعها روحية وثقافية لاتمت بصلة الى اي نزعة مادية ؟!!!….
_نعم لذلك فالإنسان ليس فقط مادة وإنما روح ومادة بل هو روح أكثر من مادة ، ولذلك فحريته وكرامته وثقافته وهويته ووطنه ومبادئه … أغلى من طعامه ومن كل مصلحة مادية ، وهذا ما غاب عن ماركس او لم يدركه …

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock