أقلام حرةمعتقل

مقال للمعتقل السياسي الأستاذ محمد جلول من سجن عكاشة قبل ترحيله إلى سجن طنجة2

محمد جلول

1-الديمقراطية والإسلام
2-الإسلام يحفز الإنسان للتحرر من العبودية
3-الإسلام دين تقدمي ولكن بفعل الفكر الأصولي المتحجر أصبح رجعتي

الديمقراطية التي غدت غنية عن التعريف باعتبارها كلمة إغريقية تعني حكم الشعب بنفسه،أصبحت لغة عالمية لدى مختلف الشعوب و الثقافات،ليس فقط كصطلح ولكن كخيار غالب وجارف في ظل التطورات والتحولات الحاسمة التي شهدها الوعي السياسي للبشرية خلال التاريخ المعاصر،أمام تحطم عدة طابوهات وجدران واسوار وهمية كانت إلى عهد قريب تقسم الناس وتميز بينهم على أسس عرقية او طبقية او دينية او على اساس الانتماء لنسب شريف او لدم نقي…الخ.وكانت تعطي الشرعية لقيام علاقات إنسانية مبنية على الاستعباد والاستغلال والهيمنة والوصاية… بل كانت في الماضي تعطي الشرعية لشخص او لأقلية معينة التصرف في حياة الآخرين كما لو أنهم كائنات حيوانية او قطيع في حظيرة،وكانت نوعية هذه العلاقة القائمة على الاستعباد او الوصاية مسألة طبيعية مقبولة لدى المجتمعات البشرية،بل وحتى أولئك الذين يتعرضون للاستعباد كانوا يعتقدون بدونيتهم وبحق غيرهم ان يكونوا أسيادا عليهم ويستعبدونهم،ولازال للأسف هذا النوع من الناس موجودين في مجتمعاتنا بسبب الجهل والأمية وبسبب عقود من الاستبداد.
-في البداية أجد انه من واجب القول أن الديمقراطية رغم تسميتها اليونانية والذي أثار ومازال يثير الكثير من التحفظات من قبل البعض انطلاقا من النظر إليها باعتبارها نتاجا لثقافة غربية وما يطرحه ذلك لديهم من هواجس وريبة حول مدى صلاحيتها وملائمتها لمجتمعاتنا الاسلامية،فإن هذه الهواجس و التحفظات ستزول اذا أخذنا الديمقراطية انطلاقا من دلالتها وكثافة معناها بدلا من التركيز على تسميتها او الحكم عليها انطلاقا من تجربة معينة او نموذج معين، وإذا أخذنا علما وبعين الاعتبار ان الديانات هي التي وضعت المبادىء الحقيقية والصلبة التي تقوم عليها العقيدة الديمقراطية المعاصرة،والمتمثلة في العدالة والحرية والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية…الخ وهي التي شحنت الإنسان المستعبد عندما ذكرته بقيمته وكرامته وحفزته لكي يستعيد حريته ويكون سيد نفسه …أما الديمقراطية اللاتينية (الإغريقية)فلم تتأسس على أية مبادىء أخلاقية من هذه المبادئ التي ذكرناها،بل كانت تجربة عابرة فرضتها ظروف الحرب آنذاك،وحاجة طبقة النبلاء الحاكمة التي وجدت نفسها في مأزق شديد الى تعبئة كل أبناء المدن اللاتينية واشراكهم لتدبير مرحلة الحرب ومواجهة التحديات الخارجية التي كانت تهدد مصير هذه المدن ،هذا دون ان يعني ذلك دخول المجتمع الاتيني عهدا جديدا قائما على الحرية والمساواة ،حيث سرعان ما وبمجرد انتهاء هذه الظروف عادة الارستوقراطية وسيطرة طبقة أقلية النبلاء على الحكم،وعاد التمييز الطبقي.
-وهكذا فإن الديمقراطية رغم كونها كلمة اغريقية،فهي بدلالتها وكثافة معناها تبقى تراثا لكل الإنسانية،بل حقا إنسانيا كونيا سابقا لكل تسمية ويسموا فوق كل تجربة ،وليس حكرا على ثقافة معينة تدعي حيازة ملكيتها وحقوق طبع نماذجها.وحكم الشعب بنفسه من صلب مقاصد الإسلام الذي تنص تعاليمه الكبرى على أن الناس سواسية كأسنان المشط،وذكرت الإنسان بكرامته وضرورة الحفاظ عليها، وواجب احترام كرامة غيره،وضرورة قيام علاقات إنسانية قائمة على التآخي والاحترام المتبادل،بعيدا عن أي استغلال او استعباد او خضوع او خنوع لغير الله،كما ذكرت الإنسان بالأمانة الملقاة على عاتقه في هذا الكون ودعته الى تحمل مسئولياته، وأن لا يجعل وجوده يتوقف عند حدود حاجياته البيولوجية، بل عليه المشاركة في تقرير مصير مجتمعه واصلاح ما يراه من فساد وتغيير ما يراه من منكر والمساهمة في بناء مستقبل زاهر للإنسانية يحقق من خلال اجتهاده وعطاء ذاته،ويثبت كيانه باعتباره كائنا له دور في هذه الحياة وليس مجرد كائن زائد على الوجود،وهذا يعني الارتقاء من وضعية الرعية التابع الخاضع إلى وضعية المواطن المسؤول المبادر والفاعل والحر في بناء قناعاته ومواقفه وهكذا فإنه وفق هذه التعاليم السامية الكبرى ،فإن الدولة العادلة من منظور الإسلام لا يمكن ان تتحقق إلا اذا قامت على الإرادة والسيادة الشعبية بعيدا عن كل أشكال الوصاية او الاستبداد او الدكتاتورية التي تكبل ارادة الإنسان وتحد من حريته. -ولكن من الواجب ان نشير ان الدين الإسلامي الذي جاء ليكون حافزا للانسان لكي يتحرر من عبودية الجاهلية ويخرج من حالة القصور الى حالة الرشد ويتحمل مسؤوليته ليمضي بالبشرية نحوى الأسمى الانساني في اتجاه ما يزيد من انسانية الانسان وبما يمتن العلاقات الاجتماعية والإنسانية بصفة عامة على أسس ديمقراطية تنتصر لكرامة الإنسان كقيمة مشتركة بين الجميع، وكاساس للمساواة بين بني البشر،وتحارب النوازع الأنانية وتقطع مع كل أشكال الاستبداد والاستغلال والوصاية…هذا الدين الذي جاء تقدميا ليمضي بالإنسان إلى الأمام نحو آفاق اكثر رحابة وانسانية واكثر تقدما وازدهارا،تحول للأسف الشديد بفعل الفكر الفقهي الأصولي المتحجر والمتزمت الى دين رجعي يعادي التقدم ويعادي الديمقراطية، وعائقا حقيقيا امام تحرر الإنسان، ومرد ذلك سوء الفهم والإدراك، فهذا الفقه الاصولي، لم يدرك تقدمية الإسلام، لم يدرك أن تجربة السلف الصالح والتابعين الأوائل لم تكن الأفق المثالي والنهائي الذي يريد ان يبلغه الاسلام ،وان هذه التجربة لم تكن سوى خطوة ولبنة أولى لتجاوز المجتمع الجاهلي ولم يكن بالامكان ان تقطع مرة واحدة وبشكل نهائي مع كل اشكال العبودية التي كانت في الجاهلية بسبب الشروط والاكراهات الواقعية المطروحة انذاك ،ومستوى النضج البشري وان استكمال مسيرة التحرر ملقاة على كاهل الأجيال اللاحقة،وتعطي مثالا على ذلك ان استمرار واقع الرق والايماء والعبيد خلال عهد الرسول (ص)والصحابة والتابعين لا يعني أن الإسلام يقبل بالعبودية ،بل يعني انه لم يكن بالامكان القطع مع هذا الواقع جملة واحدة،حيث ما تحقق خلال هذا العهد فضلا عن تحرير عدد كبير من العبيد ونيل حريتهم ،فقد حملت هذه التجربة عدة مكتسبات للذين مازالوا ينتظرون دورهم في الانعتاق ومن بينها حسن معاملتهم وتحريم كل أشكال الاضطهاد في حقهم ،هذا و الإسلام في تعاليمه يحض على تحرير الرقاب و يكافئ كل من ساهم في هذا الاتجاه ،وهذا يعني أن أفق الإسلام هو القضاء نهائيا على العبودية ،وهكذا يمكن أن نستخلص مقاصد الإسلام السامية،وهكذا يمكن أن ندرك أيضا عظمة الإسلام ،فما حققه الإسلام للعبيد وللمرأة منذ ازيد من اربعة عشر قرنا لم يكن الغرب يحلم به حتى منذ عهد قريب حيث لا يجب ان ننسى ان نظام الابارتايد العنصري لم ينته إلا أواخر القرن العشرين في جنوب أفريقيا،ولا يجب ان ننسى ان المرأة في الغرب كانت وإلى حدود القرن 19مجردة من اية حقوق إنسانية ،هذا مع التأكيد ان تلك المكتسبات التي حققها الإسلام في ذلك العصر لم تكن سوى خطوة نحو الأفضل.
-ولكن وللأسف الشديد كما قلنا فإن الفكر الفقهي الأصولي المتحجر يريد أن يرجع بنا قرونا الى الوراء لاستنساخ تجربة السلف والمتابعين الأوائل واسقاطها على الحاضر،معتقدا انها أفضل الأزمنة والآفاق النهائي للإسلام ،وأن كل اجتهاد يخرج عن ما عرفه هذا العصر وعن ما انتجه السلف يعد بدعة وهذا ما يؤدي الى تحجر الاسلام وتحريفه عن مقاصده ،ويبدو في نظر الآخرين انه دين رجعي يعادي التقدم ،هؤلاء الفقهاء المتزمتين لم يفهموا انه اذا كان من رجوع الى الأسلاف فإنه يجب ان يكون رجوعا إلى المبادىء والشيم التي كانوا يتميزون بها وليس الى استنساخ تجاربهم بشكل اعمى.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock