معتقل

مقال للمعتقل السياسي الاستاذ محمد جلول من سجن عكاشة لم ينشر بعد قبل ترحيله الى سجن طنجة 2

محمد جلول

تغيير المنكر بالقلب لا يجعل المرء في تحلة من المسؤولية كما يتوهم الكثيرون

كثير من الناس في البلاد الإسلامية يختارون التقية والحياد السلبي ويتحللون من تحمل المسؤولية للنضال والدفاع عن قضايا مجتمعاتهم عن ما يلم بها من ظلم واستبداد وعن ما يرونه من سياسات فاسدة تضر بالبلاد والعباد،وهم يجدون متكأ ومبررا في بناء موقفهم السلبي هذا الى فهمهم القاصر للحديث النبوي القائل (“من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ومن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان”) حيث يحاولون أن يقنعوا أنفسهم قائلين نحن نغير المنكر بقلوبنا مادمنا لسنا راضين عما يحدث وبذلك يكون قد حصلنا اضعف الايمان،وهذا يكفينا ولا داعي لأن نحشر أنفسنا في المخاطرات والمتاعب،
-ولذلك فمن الواجب تصحيح الفهم لهذا الحديث والكثير من النصوص الدينية الأخرى حتى لا تبقى متكأ ومبررا للتهرب من المسؤولية الملقاة على كل إنسان إزاء مجتمعه وفي نفس الوقت بما لا يجعلها تشرعن للفوضى والعمل العشوائي والإكراه العقائدي وفرض الوصاية الإيمانية على الناس وذلك من اجل تخليص الإسلام من كل ما نسب إليه من مفاهيم خاطئة او قاصرة تجعل منه إما دينا متطرفا و متعصبا يشرعن الاكراه،او تجعل منه دينا يشجع على التراخي والتخاذل والتملص من اداء المسؤولية الملقاة على الانسان في هذا الكون.
-في البداية أجد انه من المهم جدا بل من الواجب تعريف المنكر وتحديد مفهومه ولو بشكل موجز وذلك توخيا لحصول الفهم الصحيح والاقناع:المنكر في اللغة هو ما ننكره اي كل ما لا نعترف به،ومفهومه شرعا بكل إختصار هو كل ما لا نقبل بشرعيته من ظلم وفساد،فمثلا القتل والسلب والنهب والبغي والاستغلال والاستبداد والطغيان…الخ هي وقائع تحدث ولكن لا يجب ان نعترف بمشروعيتها، فهي كانت مشروعة في المرحلة الجاهلية للبشرية حيث كان قانون الغاب هو السائد وحيث كان القوي يفرض قوانينه الخاصة،وكان هذا الأمر مقبولا لدى الناس،ولكن لما جاءت الرسالات الإلاهية حرمت هذه الأمور ودعت الناس إلى عدم قبولها كأمور مشروعة حيث اعتبرتها من المنكرات التي لا يجب الاعتراف بمشروعيتها ويجب أن ينتهي عنها المرء وينهي عليها غيره ويتصدى لها حتى لا تعود كأمور مشروعة في المجتمع الانساني،وأن يكون نظام الحكم قائما على هذا الاساس : اقامة العدل والمساواة واحترام حقوق الانسان وحمايته من الظلم والتوزيع العادل للثروة…الخ حتى تكون القوانين السائدة قائمة على قوة الحق بدلا من حق القوة التي كانت مشروعة في عصر الجاهلية،وهناك مقولة مأثورة “اننا لا نناضل من اجل ان نقضي نهائيا على القتل وانما حتى لا يكون مشروعا”
-ثانيا:ما يجب التأكيد عليه هو ان تغيير المنكر عموما هو فرض على كل إنسان بإعتباره كائنا مؤتمنا في هذا الكون،أي حامل لأمانة إقامة العدل والحفاظ عليه والتصدي للظلم والجور والفساد ،ومن غير المقبول لا شرعا ولا منطقا ان يبقى الانسان بلا اي مبالاة لما يراه من أمور منكرة لان إنسانيته تقاس على هذا الاساس،وهو الكائن الذي اصطفاه الله من بين الكائنات الأخرى للإطلاع بهذه المهمة،ولذلك منح له العقل والذكاء والتمييز،ومن الواجب عليه ان لا يبقى مكتوف الايدي وبلا مبالاة إزاء ما يراه من أمور منكرة تهدد المجتمع بل يجب ان يناضل من اجل إقامة العدل وسيادة الأخلاق والفضيلة والتصدي للظلم والجور و الفساد.
-ثالثا:انه من الخطئ الفادح الاعتقاد بأن تغيير المنكر بالقلب يجعل المرء في تحلة من اية مسؤولية،لأن ذلك لا يقبله لا الشرع ولا المنطق لماذا؟لانه لو كان الأمر كذلك وحذا كل الناس هذا الحذو فلن تجد احدا يقدم عمليا وفعليا على تغيير المناكر ويخاطر بنفسه من اجل ذلك حيث الجميع سيبررون انهم يفعلون ذلك بقلوبهم وهذا يكفيهم،وهكذا سيمتلئ هذا العالم ظلما وجورا وسيعم فسادا. وهناك عدة نصوص دينية تفند هذا الفهم الخاطئ على سبيل المثال ما ورد في الحديث النبوي (“إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”)وما ورد في الحديث النبوي (“والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله ان يبعث عليكم عذابا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم”)وهناك حديث نبوي يشبه واجب وضرورة تغيير المنكر الى مشهد متخيل حيث جماعة من الناس يوجدون على نفس المركب ومن بينهم من يهدد المركب بالغرق حيث بسبب أنانيتهم وجهلهم أخذوا يثقبون قاعه لجلب الماء ،وهكذا فإذا لم
يقم باقي الركاب بتغيير هذا المنكر وإيقاف هؤلاء عند حدهم سيغرق المركب وكل من عليه،وحتى أولئك الذين لم يتسببوا في اغراقه،وهناك مقولة مأثورة في هذا الصدد تقول (لقد أصبح العالم خطرا ليس بسبب أولئك الذين يفعلون الشر بل بسبب أولئك الذين لا يفعلون شيء لوقف هذا الشر ،وهكذا فإن تغيير المنكر بالقلب لا تكون إلا في بعض المواقف التي يعجز فيها المرء ان يفعل شيء بيده و بلسانه او يتعذر عليه فعل ذلك بمفرده او تحتاج إلى التوعية والتحسيس والنضال الطويل الامد لتغييرها وهكذا يكون تغيير المنكر بالقلب موقف مؤقت لحظي مع حصول النية والعزم والعمل من اجل تغييره مستقبلا وليس كأسلوب ومو قف دائم وإزاء كل الوضعيات المنكرة.
-رابعا:غير ان واجب تغيير المنكر والامر بالمعروف يجب ان يتم بعلم وبصيرة ونظام وضرورة تصحيح الفهم الخاطئ بما لا يشرعن للفوضى والعمل العشوائي وبما لا يفتح الباب على اي كان لفرض قانونه وفهمه الخاص للشريعة،ويجب أن نميز بين الوضعيات والمواقف المنكرة التي تتطلب منا التدخل الفوري المباشر لتغييرها بأيدينا او بألسنتنا وهي التي لا تحتمل التأجيل كالمخاطرة بالنفس من اجل إنقاذ شخص يتعرض للإعتداء او حرمة تنتهك او التدخل بالنصيحة لاقناع احد للكف عن سوء معاملة حيوان او عن سلوك يلوث البيئة او يهدد السلامة العامة …الخ وبين الوضعيات والمواقف المنكرة التي تتطلب منا العمل التنويري والتوعوي والتحسيسي سواء عبر التنظير او العمل الجمعوي المدني لتغييرها عبر إقناع أفراد المجتمع لتغيير سلوكاتهم السلبية …والوضعيات والمواقف المنكرة التي تتحمل فيها المسؤولية الدولة ،كالاستبداد والفساد في تسيير الشأن العام،وغياب العدالة الاجتماعية ونزاهة القضاء وانتهاك حقوق الإنسان والحريات …الخ وتتطلب منا جميعا النضال الديمقراطي من أجل تغييرها.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock