أقلام حرة

مقال لمعتقل السياسي محمد جلول حول افتتاح كرسي العروي و الدولة الوطنية والايديولوجيا القومية واشياء اخرى الجزء الرابع

متابعة حراك الريف

-كما أنه ما يجعلنا نستغرب كذلك فهو أن الأستاد العروي في الوقت الذي ينبذ فيه القبلية ويقول بأنه لا يمكن أن تصنع الحضارة في إطارها ، لأنها لا يمكن أن تصنع إلا في إطار الدولة الوطنية ، فهو ينسى أنه هو نفسه يدافع عن إيديولوجيا بشعارات قومية مصتنعة ذات نزعة قبلية ، وهي فضلا عن ذلك تفرض نفسها كهوية فوق وطنية لا حدود وطنية لها، حيث الإنتماء للقومية لا للوطن، مما يجعل منها إيديولوجية ليس فقط يستحيل في ظلها قيام وحدة وطنية حقيقية على أساس الإئتلاف في إطار التعدد والإختلاف ، بل يجعل منها أيضا إيديولوجية إستلابية و هابرة للمواطنة ، و معيقة لتجذر الإنتماء إلى الهوية والأرض الوطنية كنواة أساسية لبناء شخصية مستقلة وتحقيق الذات ، حيث أن هوية الإنسان لا تفرض عليه من فوق أو من الخارج بل تنبني بشكل تدريجي من المحلي نحوى الجهوي نحوى الوطني نحوى الكوني وليس في الإتجاه المعاكس.
-ولقد فصل الدكتور مصطفى حجازي القول في هذا الأمر حيث قال: بأن الإنسان كائن منتمن بالتعريف ، كيانه الذاتي يتحدد بأطر من الإنتماء إلى وطن وأرض وثقافة، هويته الذاتية تنبني تدريجيا خلال مراحل النمو من خلال الإنتماء إلى إسم وأسرة وحي ومجتمع و وطن، وصولا إلى الإنتماء لمنطقة حضارية، وما يليها من مدى يتمثل في الإنتماء الكوني الإنساني ، دوائر الإنتماء هذه المتدرجة في إتساعها وإرتقائها هي التي توفر له إحساسا بأنه منغرص في المكان و الزمان وبأن له كيانا تؤطره مرجعيات تجعله يحس بالإنغراس ، وبأن له جذور، وبأن لديه مدى رحبا يوفر له التحرك والإمتداد و تحقيق الذات ، بمعنى صناعة وجود ممتلئ. انتهى كلام الدكتور حجازي ،وهكذا فمن دون ذلك يبقى الإنسان مجرد كائن تبعي لغيره أو كورقة مبتورة تتلاعب بها الرياح.
_ كمى أنه من المنطلق الحقوقي فهذه الإديولوجيا لا تستقيم مع الروحية الكونية التي يقوم عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية المرتبطة بها والتي تنص على حق الإختلاف واحترام كرامة الإنسان وثقافته والحقوق الجماعية للشعوب والأقليات والشعوب الأصيلة… حيث أن هذه الايديولوجية تطرح نفسها نقيضا لهذه القيم ولهذه الحقوق عندما تسعى لفرض نفسها كشريعة بديلة وتفرض حقيقتها كحقيقة واحدة ووحيدة وتلغي مادونها ، فهي والأصوليات الدينية الدغمائية تتمتحان من نفس العقيدة المركزية الواحدية ليس بمعنى الإيمان بإلاه واحد إنما الإعتقاد بإمتلاك الحقيقة الوحيدة والمطلقة في فهم المعاني الإلاهية ونفي كل ماعداها من الحقائق المخالفة ، ليس فقط نفيها بل السعي إلى إلغائها و تاليا إستحالة التعايش وحق الإختلاف في ضلها.
_ومن المنطلق الديني غير المؤدلج ،فليس في الإسلام سوى مايدحض هذه الإديلوجيا فهو لايدعو أبدا إلى نصرة العرب على باقي الأمم والأجناس، وكل إدعاء مثل هذا فهو محض إفتراء عليه، فالإسلام يقول بوضوح تام وجلي لا غبار عليه وبشكل لا يقبل أي تأويل بأنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى ، وأن الله خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف وليس ليهيمن بعضنا على بعض ،وأن التنوع والإختلاف في الألوان والألسنة لا
أيات للعالمين ومن إرادة الله ومشيئته وليس مخططات إمبريالية لتفتيت الدول كما يدعي بعض الإديلوجيين الذين لا يستسيغون مطالب التعدد والتنوع الثقافي ، كما أن الإسلام ينهى على أن يتخذ قوم معين موقف الصخرية أو الإحتقار أو الإنتقاص من قوم اخر تحت أي ذريعة أو مبرر وأن الله وحده يحكم في من هو الأفضل. وهكذا فمن كل الزوايا وبعد كل تحليل سنجد أن هذه الايديولوجيا باطلة وظالمة وليس لها أي أساس من الحق أو من المشروعية سواءا أكانت عقلية أم دينية أم تاريخية أم من منطلق الظرورة والحاجات.
-كما اننا نستغرب كيف للاستاذ العروي عندما يتحدث عن اشكالية التخلف و التأخر عندنا يذهب في تناول اسبابها الى مسائل مثل الامية والعصرنة و سوء استيعاب الحداثة الغربية ومفاهيمها…الخ، ويتحدث عن هذه المسائل بكل بساطة كما لو ان الامر يتعلق فقط بسوء فهمنا واختياراتنا في حين انه يسكت ويقفز عن قضية اساسية ويتعلق الامر بالواقع السياسي المفروض والمقرر والذي يضيق مجال الحرية والاختيار في تقرير مصائرنا الى حدودها الدنيا او يصل الى إلغائه، مما يجعل القضية الاولى لشعوبنا هي قضية الحرية والديموقراطية وليس مسألة العصرنة.
_كما أن عبد الله العروي عندما يتحدث عن اشكالية التأخر عندنا فهو يتناقظ حتى مع نفسه وتحيزه القومي ففي جل كتاباته يظهر أنه مشدود إلى الحظارة “الغربية ” و منبهرا بها الى درجة إحتقار الذات عندما يؤمن بأننا لا يمكن أن ننتج فكرتا عقلانية إلا بالمرور عبر العقل “الغربي” وهذا ما يؤكده حتى في محاظرته الأخيرة وبشكل ضمني أثناء حديثه عن الترجمة، حيث يربط عوائق الحداثة عندنا بإشكالية الترجمة الصحية للمصطلحات والمفاهيم “الغربية” إلى اللغة العربية ،وهو حتى في محاولاته للتأصيل “للتراث ” من خلال كتاباته يكرس لهذه التبعية وتاليا يكرس إنشطار روح شعبنا بين التبعية للأخر الشرقي والأخر الغربي من دون كيان ولا شخصية مستقلة تميزه.
_فهو لا ينظر إلى إلى الحداثة “الغريبة” بشكل يميز فيها جيدا بين ماهو خصوصي ومتحيز لمحليته، وبين مافيها من مشترك إنساني لا يعد ملكا خاصا للغرب بل ثمرتا لسيرورة تاريخية تلاقحية تقدمية ساهمت فيه مختلف الثقافات والحضارات الأخرى ولا زالت تساهم فيه، ومن خلال ذلك وعلى أساس هذا التمييز يمكن لنا بعد ذلك أن نعترف كيف يمكن لنا أن نستفيد منها بما يصلح لنا ويلائمنا ويستجيب لحاجياتنا، وفي نفس الوقت بما يحفظ أصالتنا ومقومات هويتنا.
_بل هو ينظر إلى الحداثة ككل متكامل غير قابل للتجزيء وينظر إليها كما لو أنها كلها ورود وكما لو أنها ملكا خاصا بالغرب وخلقا عبقريا له خرج من صلبه و رحمه يجب أن نقترضها منه إذا ما أردنا الحصول عليها، و لذاك فهو يقترح على ما يسميه بالعام العربي ركوب مغامرة غير محسوبة العواقب ومن دون أن يقدم أية ضمانات : يقترح عليه أن ينفصل وينقطع عن تراثه ليعود إليه مستقبلا ولأجل غير مسمى، ولذلك بعد أن يتبنا الأصل التاريخي الغربي وقيمه ويستعيد تجربته التاريخية بدعوى أنها الطريق الوحيد لبلوغ الحداثة.
_ وهو بذلك ليس فقط يكرس ذهنيا الشعور بالدونية إزاء الأخر وتأييد التبعية له، حيث سيبقى الغرب من هذا المنظور دائما هو المتقدم على خط التاريخ ونحن سنبقى دائما ورائه محاولين إقتفاء أثره أو بالأحرى تقليده بل أكثر من ذالك فهو يقدم خدمتا مجانيتا للقوى المهيمنة التي لطالما وظفة الحداثة كمفهوم إيديولوجي أستعمل في الماضي لتبرير الإستعمار والتدخل في الدول بدعوى عبء الإنسان الأوربي على الشعوب الأخرى لتحديثها وما زالت توظف هذه الإيديولوجيا لخدمة إستراتيجيات الهيمنة مثلها مثل الإيديولوجيا القومية العربية ولكن بمستويات مختلف.
_فكلا الإيديولوجيتين تعتبران نفسيهما منبع الحضارة، وفي نفس الوقت تستبعدان أية إمكانية للمجتمعات والشعوب الأخرى في بناء ذاتها وتقدمها بالأسلوب الذي ينسجم مع أصولها وخصوصياتها وتجاربها الخاصة وهذا ضدا على ما يأكده التاريخ من حضارات متنوعة ومن تجارب ونماذج لشعوب إستطاعت أن تحقق حداثتها وبناء ديموقراطيات من خارج الأصل والخط التاريخيين الغربيين بما يؤكد أن بذور الحداثة والديموقراطية توجد في مختلف الثقافات، وأن تحقيقهما ليس مشروطا بتبني أو إستنساخ كل القيم والثقافة الغربية كنموذج متكامل وجاهز.
هذا مع واجب تأكيد على انني عندما اتحدث عن موقفي من هذه الايديولوجيا القومية فانني اقصد ما تتضمنه من اقصاء وظلم، ولا اقصد منها أبدا اللغة العربية او الثقافة العربية و اللتان لا أكن لهما سوى الاحترام.
يتبع…

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock