أقلام حرة

مقال وراء القضبان للأستاذ محمد جلول حول التعليم والمدرسة العمومية

رسالة من المعتقل السياسي محمد جلول البطيوي من سجن طنجة2

-من أجل جبهة مجتمعية للدفاع عن المدرسة العمومية
-على الأسر المتوسطة الدخل ان لا تفكر فقط في مصير أبنائها بل في مصير كل أبناء الشعب

في سابق عهدي لما كنت أسمع بوجود مخطط ممنهج للإجهاز على التعليم العمومي في افق خوصصته كنت لا أصدق ذلك،وكنت أعتبر أن مثل هذا الكلام لا يعدو أن يكون شعارات للمزايدة ولغة خشب،ولكن مع مرور السنوات والشهور والأيام لم نر ما يدحظ هذا الكلام بل لم نر سوى ما يؤكده،وأنه هناك فعلا إرادة من داخل الدولة مشتعلة عل قدم وساق ليس لإصلاح التعليم العمومي بل لتخريبه لصالح الخوصصة التي يستفيد منها ؤلئك المخربون اللذين يتاجرون بآلام الشعب وينتعشون بمتصاص دماء الفقراء ولا يهمهم لا مصلحة أبنائنا ولا مستقبل البلد.
-نعم انطلاقا من تتبعنا لمسار إنهيار التعليم العمومي وطبيعة التعاطي الرسمي معه لا نلمس سوى ما يقنعنا ان هناك فعلا ارادة ومخطط تدريجي لدفع شعبنا لفقدان ثقته في المدرسة العمومية وقدرتها على التربية وتأهيل النشأ وجعل المدرسة الخصوصية كخيار وحيد أمام العديد من الأسر المتوسطة الدخل التي تجد نفسها مكرهتا للآداء واستنزاف ميزانيتها ان أرادة تعليم أبنائها،اما باقي الأسر الفقيرة فمحكوم عليها بالإعدام،هذا دون الحديث عن عيوب التعليم الخصوصي ودوره الخطير في الإستيلاب الثقافي للناشئة وتكوين مواطنين مفصولين و غرباء عن مجتمعهم لا يمكن ان يعول عليهم ليلعبوا الدور المنتظر منهم في المستقبل لصالح نهضة الأمة وتقدمها وأتحدث هنا بدون تعميم ولكن كواقع غالب وهذا موضوع آخر فيه كثير ما يقال.
-على مر العقود الماضية وإلى الآن توالت مشاريع الإصلاح التي تأتي في كل بداية تحت شعارات واعدة وترصد لها موارد مالية وبشرية هائلة ولكن للأسف في كل نهاية تكون النتيجة الفشل الذريع في ظل إستمرار مسلسل انهيار وإفلاس المدرسة العمومية، ويصاب شعبنا في كل مرة بخيبات الآمال حيث يكتشف ان المسؤولين لم يبيعوا له سوى الأوهام حتى أصبح إعلان الإصلاح يعني لديه مزيدا من التخريب
-ما يزيدنا قناعة اليوم بوجود مثل هذا المخطط التخريبي هي الاختيارات التي قررت الدولة المضي فيها لتدبير المنضومة التعليمية والتي لم تعد تخفي نوايا التوجه نحو الخوصصة وإعتماد سياسة التعاقد للتوضيف في مجال التعليم للتحكم في الموارد البشرية وإخضاعها وجعلها مستقبلا رهن إشارة وخدمة التعليم الخصوصي هذا في ظل استمرار مسلسل انهيار المدرسة العمومية وسياسة تكريس الرداءة ولا مبالاة والعبث وإثقال كاهل التلاميذ والاسر بمقررات وكتب مدرسية عديدة وجافة ولا طائل منها ضمن سياسة لتدبير القطاع يحكمها منطق التجارة والربح والصفقات على حساب المضمون وما يفيد ابنائنا،كواقع عملي يناقض كل الشعارات المرفوعة رسميا والإصرار على تجاهل كل الأصوات المتنورة والغيورة التي تحاول توجيه المسؤولين إلى مكامن الداء الحقيقية التي يتعين معالجتها بالنهوض بالتعليم والتي تؤكد ولطالما أكدت سابقا على حتمية الفشل في ظل استمرار نفس المنضوية السياسية المركزية المتبعة.
-إن ما يميز التجربة الإصلاحية المغربية في مجال التعليم كما في المجالات الأخرى هو الإسرار على المضي في نفس السياسة والمقاربة المركزية رغم كونها سياسية اقصائية وعقيمة مئالها الفشل الحتمي وضياع للوقت والموارد وتكريس للظلم،حيث أن الإسرار في تدبير القطاع وإختيار المقررات والمناهج الدراسية إنطلاقا من المركز ووفق رؤيته الأحادية ومقاساته،في ظل عدم مراعات او بالأحرى تجاهل التعدد الجهوي لبلادنا وثقافتها وخصوصياتها المختلفة،تبقى سياسة بعيدة عن الواقع،وعاجزة،عن ملامسة الحاجيات والصعوبات والاشكاليات والخصوصيات المتعددة والنوعية المطروحة على مستوى كل منطقة على حدة والتي يستحيل معالجتها بوصفات نمطية واحادية إنطلاق من المركز وعلى مقاساته،وأن الإصرار في ذلك ما هو إلا جهد مهدور وامل ضائع،وإقصاء جائر في حق الجهات التاريخية لبلادنا واهاليها.
-كما ان ما يميز التجربة الإصلاحية المغربية في مجال التعليم وفي المجالات الأخرى هو انه لم تسجل أية وقفة للمسائلة والمحاسبة بين الاعلان عن فشل مشروع إصلاحي والشروع في تنزيل مشروع جديد رغم ما هدرت من أموال وموارد،وما حصل من ضياع لمستقبل أجيال باكملها،وللأسف مازال يستمر مسلسل التخريب في حق المدرسة العمومية ومسلسل هدر الثرواة والموارد بلا حسيب ولا رقيب،حيث الكل يعترف بالفشل ولا أحد يتحمل المسؤولية بل إن المسؤولين عن فشل المشاريع السابقة وعن هدر للموارد والثروات وضياع الأجيال يستمرون في تدبير الشأن العام معززين مكرمين.
-ولذلك فمهمة الدفاع عن المدرسة العمومية اليوم هي على عاتق كل المكونات والقوى المجتمعية والجميع مدعوا الى تحمل المسؤولية التاريخية في هذا الصدد وما يتطلبه ذلك من توحيد الجهود و النضالات في إطار جبهة مجتمعية قوية ونضال مستمر عبر كل الأشكال الديمقراطية من أجل وضع حد لمسلسل التخريب وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية،وبهذه المناسبة أوجه ندائي الى كل الأمهات والآباء الى الانخراط في الدفاع عن المدرسة العمومية،وعلى الأسر المتوسطة الدخل ان لا تنظر فقط أمامها وتفكر حصرا في مستقبل أبنائها،حيث يجب ان تفكر انه اذا كان بمقدورها الآداء لتعليم أبنائها في الخصوصي فما مصير باقي أبناء الطبقات الشعبية المسحوقة؟ !!!وما ذنب هؤلاء الأبرياء ومن يدافع عليهم؟!!!أليس هؤلاء أيضا أبنائنا؟!!! ألا يجب ان نبغي لهم ما نبغيه لأبنائنا؟!!!ألا يجب ان يكون مجتمعنا كالجسد الواحد اذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالصهر والحمى؟!!! وما ينطبق عن التعليم العمومي ينطبق ايضا على قطاع الصحة العمومية وباقي القطاعات الاجتماعية الاخرى،هذا دون ان يعني ذلك انني مبدئيا ضد وجود التعليم الخصوصي ولكن ضد ان يكون على حساب التعليم العمومي وعلى انقاضه.
وأخيرا وليس آخرا بمناسبة اليوم العالمي للمدرس أوجه تحياتي الحارة الى الأسرة التعليمية المكافحة على تضحياتها التي تقوم بها من أجل تكوين الأجيال وتنوير المجتمع والتي على عاتقها تقع المسؤولية الكبرى لإنقاذ المدرسة العمومية، وأعبر عن تضامني معها في مطالبها العادلة والمشروعة.

ملاحظة:لقد سبق للمعتقل السياسي محمد جلول أن كتب عدة مقالات حول المنظومة التعليمية ببلادنا وخاصة عندما كان في السجن المحلي بالحسيمة خلال فترة الاعتقال السابقة وتحدث انذاك عن حتمية الفشل في ظل الاختيارات الرسمية المتبعة ولم يكن توقعه خاطئ ويمكن إيجاد هذه المقالات على مواقع التواصل الاجتماعي.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق