أقلام حرة

مقتطفات من كتاب “منفي موكادور ” مترجمة الى العربية بقلم الاستاذ احمد رموتي

احمد رموتي

 

منفي موغادور

نحن في عام 1948، أنا القايد حدو بن حمو الكحل، المساعد القديم لوزير خارجية جمهورية الريف، مؤسس وقائد جهاز الاستعلامات، مؤسس القوات الجوية للجمهورية الريفية، كطيار اشتغلت ما بين 1921و1926 إلى جانب الأمير عبد الكريم، الرجل الذي فعل كل شيء ليستحق النجاح لكنه خضع، كما خضعت دولته الصغيرة التي حررها، ضحية لوضعية لم يكن يتوقعها، الرجل الذي مر كنيزك مشع وأدى دوره التاريخي خلال ستة سنوات فقط والتي كانت كافية لتجعل منه أحد أهم الشخصيات في كل الأزمنة.
تم اعتقالي من طرف القوات الفرنسية يوم 27 ماي 1926 بتارجيست في الوقت الذي تم فيه إخضاع الأمير، وبمجرد اعتقالي قامت سلطات الحماية والمخزن بمصادرة كل ممتلكاتي قبل إرسالي إلى مخيم للاعتقال مع العشرات من الأسرى الريفيين. تم تقديمي أمام محكمة حربية،وبعد أن قرأ صك الإتهام لم أحاول الدفاع عن نفسي أو نفي الاتهامات، وهل ينفع ذلك؟ فقد حدد مصيري وانكسر حلمي إلى الأبد. حزن لا حدود له، عزلة وإحباط لا نهاية لهما، تلك هي حياتي إلى آخر عمري.
في البداية ظللت سجينا ولعدة أشهر في تكنة عسكرية بأزمور، منذ أيامي الأولى كنت أعيش مهانا في عزلة وقلق، في خوف وشك. إبعادي إلى هذا الجحر لن يكون إلا مؤقتا، هذا ما يقوله على الأقل حراسي في السجن. كم من الوقت قضيت في هذه التكنة؟ لا أتذكر، من المؤكد أنها شهور كثيرة، بعد عدة أسابيع فقدت الاحساس بالزمن، لم يتوقفوا عن خداعي بأمل، مؤكدين أني سأكون من أول المحررين، كنت كل يوم وبمرارة أرى معتقلين لم يكن لهم أمل في ذلك يغادرون هذا السجن، لكن ما كان يحز في نفسي هو أني لا أعرف إن كان لي أمل أو سيكون لي في الحصول على هذه النعمة يوما ما.
بعد ذلك فرضت علي الإقامة الإجبارية في موغادور مع منعي من مغادرتها إلى اليوم، في أحد أيام خريف 1926 حطت بى طائرة، محروسا من طرف عدد من رجال البوليس الفرنسي، في هذه المدينة الصغيرة بجنوب المغرب، حذرني عميد الشرطة أن هؤلاء سيقومون بمراقبتي ليلا ونهارا، وأن أي محاولة للهروب لسبب أو آخر سأقضي ما تبقى من حياتي في سجن الجزيرة وسط المحيط غير بعيد عن الخليج. جلبابي القصير من الصوف الأسود أثار حيرة الناس وهم يرون وصول غريب ليس كالآخرين، الرسالة التي تحاول الحماية بعثها وبشكل واضح: المقاومة في الريف انهزمت على يد فرنسا، حلم جمهورية الريف أجهض بالنار والدم، وأحد قادتها الكبار المهزومين سيعيش بينكم في إقامة إجبارية، عليكم الابتعاد عنه، وعليكم خاصة الحذر منه.
حين وضعت قدمي هنا، كنت أشبه مسافرا تعاقبت عليه المحن وواجه في طريقه الموت عدة مرات، تعلوني الأوساخ وبملابس رثة وبلا أمتعة تقريبا.
عندما وصلت إلى موغادور أجتاحني شعور غريب وانا أبدأ حياة جديدة في مدينة بعيدة، محاطا بأناس لا أعرفهم، معدوما لا أملك شيئا. في الأربعين سنة من عمري، في سن يصعب فيها التكيف مع هذا المكان الذي أجهل عنه كل شيء. من قبل كان لي وطنان: الريف والجزائر. وكنت افكر وأقول دائما إذا كان علي مغادرة أحدهما فذلك للذهاب للآخر. منذ طفولتي اعتدت على العيش قريبا من البحر الأبيض المتوسط لأسبح في نوره وتأمل روعته وجماله، وأعرف أني سأشتاق إليه حين أجد نفسي بعيدا دون شمسه ورائحته القوية، أحتاج أن يتيه بصري في أفقه الصافي.
بدأت حياتي هنا وحيدا، كمتسكع، كمطرود محكوم بعدم العودة أبدا. رجل فقد كل اعتبار. أبدو فقيرا ومتقدما في السن، لا شيء يميزني عن هؤلاء الوافدين الجدد الذي فروا من الجفاف، الكوارث والأوبئة. احتفظت لنفسي بما أفكر فيه والماضي الذي تركت. قلة من الناس تعرف حقيقة من أكون، ومن أين أتيت ومن ماذا جئت فارا؟ من الديون؟ إضطهاد؟ ثأر عائلي؟
حين أخرج لأتيه في أزقة المدينة أفعل ذلك في السر، وحيدا وكأني شخص لاتدركه العيون. السكان أمروا بعدم الاختلاط بي كما لو أني مصاب بالطاعون. حين يوجه لي جار من جيراني الكلام يكون ذلك بهمس وهو يتفقد إن كان يراقبه أحد.
في بداية استقراري في هذه المدينة الصغيرة والغامضة والتي أسست وعمرت بأناس لا يملكون شيئا، جاؤوا من كل الإفاق ومن ديانات مختلفة، سكنت في غرفة معتمة بالطابق الأول من بيت بالمدينة ليس بعيدا عن الميناء، في حي يعج بسكان معدومين. كانت أيام قليلة كافية لأرى المدينة على حقيقتها: مدينة الفقر واليأس، مدينة مجروحة ومن خراب. أسوارها في مرحلة متقدمة من التآكل، بيوتها القديمة حيث الجرذان والصراصير أكثر من البشر، الأزقة عفنة حيث تنتشر غالبا نفايات لا يتم جمعها، نصف من يجوبون الأزقة مجانين أو على وشك الإصابة بالجنون أو الدخول في نوبة منه. باب السبع هو نقطة الصفر للأرواح التائهة في موغادور، حين يحدث أن أمر من هناك أصادف عشرات الرجال والنساء وهم يحاورون بشغف وبكلام غير مفهوم كائنات غريبة لا وجود لها. في كل الأحوال أن لا أراها، كل شيء هنا في موغادور ليس سوى خراب. شاطئها الممتد برماله الناعمة ينفتح في مشهد رائع على الخليج، ميناء الصيد الصغير الغني بوفرة سمك البار (Loup). كانت هناك كذلك مكتبة وبعض باعة الكتب حيث كنت أتردد عليهم من حين لآخر لأتصفح بعضها.”

الوسوم