أقلام حرةدراسات وأبحاث

مقتطفات من كتاب “منفي موكادور ” مترجمة الى العربية “الجزء الثاني”

بقلم الاستاذ احمد رموتي

نظرا للاقبال الرائع الذي عرفه المقتطف المترجم الى العربية من كتابي ونزولا عند طلب العديد من الاصدقاء استمر اليوم في نشر هذا النص الثاني من الجزء الاول من “منفي موكادور”. شكرا لابن الصويرة الأستاذ احمد رموني. قراءة ممتعة.

‎نهاية سنة 1927، أثنا عشر شهرا مرت على وصولي إلى موغادور، قضيت السنة الأكثر عزلة ويأسا في حياتي. سنة قاسية إلى درجة اعتقدت في البداية إني غير قادر على تحملها: سنة كاملة في المنفى للقضاء علي! لأرى يوما أن الخناق بدأ يضيق على مسكني من طرف سلطات الحماية، وأتسأل أي شيء خطير قد حصل، فقد طلب مني عدم مغادرة منزلي أو استقبال أصدقاء لمدة أسبوع، بعد ذلك علمت أن السلطان محمد بن يوسف جاء في زيارة لموغادور . تسألت إن كان هذا الرجل البسيط الذي أصبحته لازال يشكل خطرا حقيقيا. هذا الجحود في المعاملة التي عانيته خلال أيام أثار فضولا، كما أثار تعاطفا من طرف جيراني وبعض من أصدقائي البعيدين. بفضل وجودهم ودعمهم لم يكن ينقصني شيء. مباشرة بعد هذا الحادث قررت الخروج من العزلة التي فرضتها علي الشرطة وما عاقبت به نفسي برفضي الانفتاح على الآخرين.
‎تمكنت من النجاة والتغلب على الصعوبات وعدم الخضوع لأني كنت مقتنعا أن هذا النفي الذي حوكمت به لن يكون دائما، ولم يكن لدي أدنى شك أن وجودي هنا ليس سوى مرحلة طويلة ومعقدة من حياتي يجب الاستعداد لها، وأنه عاجلا أو آجلا سأجد طريقي وأتابع رحلتي. هيأت نفسي لتحمل الضربات ولن أجعل عنفهم يحطمني، الصمود عوض الفرار، اعتبرت وضعي في هذه اللحظة كحصار طويل في حرب الخنادق. قوة هذه القناعة جعلتني أقضي ثلاث سنوات من الفراغ والعزلة، رافضا الاستسلام لنداء الرأفة بمصيري كما كنت أفعل دائما منذ البداية، رغم ندمي على أيام من حياتي القديمة في بورت-ساي (ميناء بنمهيدي حاليا غرب الجزائر)، كان لي انطباع هنا أن الناس لا يفهمون وضعي ولا أفهم وضعيتهم، يشعرون أنهم ليسوا مسؤولين، ولا متهمين، ولا مقتنعين، كانوا يعيشون خارج الزمن، خارج الحدث، ولم تكن مسألة مناقشة هذه المواضيع مع أحدهم مطروحة لدي. الاحتلال، يتحملونه ويعانون من ثقله، فظاعته هنا أكبر من المدن الكبرى، وقد انتهوا إلى الاعتياد عليه. لقد فقدوا بكل تأكيد كل ما يذكرهم بالحرية، إلى أن أدركوا اني بدوري حرمت منها وكان ذلك هو الثمن الذي دفعته مقابل مقاومتي في الريف للجيوش الاستعمارية. هذا الحرمان من الحرية دفعهم إلى اللجوء إلى الصوفية، الشعودة والدين. حرموا من التخطيط وبناء المستقبل، يعيشون، على الكفاف، حاضرا مشوها غيبيا، محافظين طبعا على زواياهم، مساجدهم وأعيادهم الدينية كما كانت منذ قرون. شعرت أنه منذ أن أوجدوا هذه الأشياء لم تتغير حياة هؤلاء الناس، لم يحدث شيء متميز يستحق الاهتمام وأن نرويه هنا. بعد ذلك لم يتطلب مني الأمر وقتا طويلا للتآلف مع الأشخاص والأمكنة في مدينة الرياح، مالك الغرفة، شيخ أمازيغي يأتي باستمرار للاطمئنان علي، و ليرى إن كنت في حاجة إلى شيء ما، كان رجلا لطيفا، كريما وصاحب نكتة، رغم أن حواري معه كان مقتضبا ولا يتعدى كلمات قليلة.
‎في الزقاق بدأت أشعر أني لم أعد منبوذا، أحظى بحب واحترام قلة من الناس يحاولون تحطيم الحاجز الذي وضعه امامهم من يراقبونني، يقومون بالخطوة الأولى في إتجاهي للتعرف علي أكثر، رغم هذه التطورات لم يكن في نيتي المكوث إلى الأبد هنا بين الجدران الأربعة لهذه القلعة الكبيرة.
‎جاء يوم 20 غشت سنة 1930، وصل عندي في موغادور الكاتب الفرنسي الشاب ميشيل فيوتشانج
‎ليغير مجرى حياتي على الأقل لمدة، جاء لرؤيتي في منزلي الجديد حيث أقمت قريبا من باب الجهاد بالقصبة، يحمل رسالة في يده. كانت مفاجأة كبيرة، باعث الرسالة كان صديقي العزيز بوجدة الدكتور ماريون جالوا، يطلب مني مساعدة حامل الرسالة على تنظيم رحلته عبر الصحراء حتى السمارة، المدينة العجيبة التي أنشئت عام 1898 من طرف الشيخ ماء العينين. طيلة يوم كامل قام ميشيل بعرض تفاصيل مشروعه، استمعت إليه بإعجاب يشوبه القلق، خائفا من الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها، وحاولت بكلمات قليلة أن أصرف نظره عن المشروع لكنه لم يكن يرغب في الاستماع إلي، مستعدا للتضحية بحياته من أجل تحقيق حلمه. الحماس الذي أبداه ميشيل وهو يعرض مشروعه، و قبوله نزع التاج الذي يحمي أحد أسنانه بسهولة، بل حتى استعداده لختان نفسه، وتحديه لمتاعب السفر وإمكانية الوقوع في الأسر، التعرض للجروح أو الموت، دفعني إلى مساعدته. أعجبت بشجاعة وعزيمة هذا الشاب المنتمي لعائلة عريقة، و الموعود بمستقبل زاهر، والذي اختار أن يضع نفسه طواعية أمام محك صعب. أخبرته أن ثلاث طائرات فرنسية وإسبانيا حلقت فوق السمارة ولم يسبق لأي أوروبي أن دخلها. هذه المعلومات جعلته متعجلا. بفضل معارفي الذين يعرفون جيدا الجنوب المغربي اطلعته بشكل دقيق على تمرد المنطقة، كما وضحت له أنه ليس من مصلحته السفر وحيدا أو في قافلة كبيرة، ووجدت الرجل الذي سيرافقه في رحلته، التاجر احمد المهبول، رجل ذكي وموهوب من نواحي تمنار.
‎يوم 8 شتنبر (1930) اجتمع في بيتي ميشيل فيوتشانج وأخوه الدكتور جان والمهبول بهدف وضع اللمسات الأخيرة على نظام رحلتهم، نصحته بالانطلاق في أسرع وقت ممكن، فاجتماعاتهم معي هنا في موغادور قد تثير انتباه سلطات الحماية.

الوسوم