دراسات وأبحاث

مقتطف من الرواية التاريخية منفي موكادور الـقائد حدو بن حمو لكحل

مقتطف من الفصل الأول للرواية التاريخية "l’exilé de mogador " "منفي موكادور " التي تتمحور حول حياة أحد أهم رجال الثورة الريفية، وهي رواية من تأليف الطبيب الريفي امحمذ لشقر.

نحن في سنة 1948، أنـا الـقائد حدو بن حمو لكحل، المساعد السابق لوزير الشؤون الخارجية للجمهورية الريفية، مؤسس وقائد الجهاز الاستخباراتي للجمهورية، ربان طائرة و مؤسس القوات الجوية الريفية. تم “توقيفي” من طرف الجيش الفرنسي يوم 27 ماي 1926 في تاركيست بالريف.

مباشرة بعد “توقيفي”، قامت السلطات الاسبانية والفرنسية والمغربية بمصادرة كامل أملاكي، قبل أن يتم إرسالي إلى معسكر اعتقال رفقة العشرات من الريفيين كأسرى حرب، حيث حوكمت أمام محكمة عسكرية. بعد أن قرأوا على مسامعي التهم الموجهة إلي، لم أحاول الدفاع عن نفسي ولا أن أنكر تلك التهم، إذ ما الجدوى من ذلك، فمصيري بين أيديهم، وقد تحطم حلمي إلى الأبد.

في البداية، تم أسري بضعة أشهر في مخيم عسكري بأزمور. لقد عشت هنالك، منذ الأيام الأولى، غارقا في العزلة ومكسورا بالإذلال، و قضيت كل تلك الفترة في قلق وشك وإحساس بانعدام الأمن. كان نفيي إلى هذه الحفرة الضائعة مؤقتا فقط، على الأقل، حسب ما قاله لي أحد السجانين.

ما المدة التي قضيتها في معسكر الأسر هذا؟ لا أتذكر، أشهر عديدة طبعا، لقد فقدت في غضون بضعة أسابيع معنى الزمن.
لم يتوقفوا عن مواساتي بالأمل، إن لم يكن باليقين، من أنني سأكون ضمن أول من يتم الإفراج عنهم. وبمرارة، رأيتهم يفرجون يوميا عن سجناء فاقدين لأي أمل بالحرية. و كان أكثر ما جعلني أشعر بالاضطهاد هو أنني لا أعرف هل بقي لدي أي أمل في إطلاق سراحي.

فيما بعد، نقلوني نحو الإقامة الإجبارية في موكادور (الصويرة) جنوب المغرب، وتم وضعي تحت المراقبة، مع منعي من مغادرة المدينة إطلاقا إلى يومنا هذا.
لقد أنذرني مفوض للشرطة الفرنسية بأن رجاله سيراقبونني ليل نهار، ولن يتردد عن الزج بي في السجن مدى حياتي إن حاولت الخروج من المدينة لأي سبب من الأسباب.
منذ ذلك اليوم، لم أتوقف أبدا عن التساؤل حول سبب سماح أصدقائي الفرنسيين لأنفسهم بمحاصرتي هكذا وحرمانهم لي من حريتي وتهديدهم لحياتي . .

لقد مرت عشرون سنة ونيف وأنا أعيش وحيدا أسيرا في هذه المدينة الصغيرة الغامضة، مدينة آهلة بساكنة “بسيطة/بئيسة” آتية من كل حدب وصوب ومن كل الأديان.

عندما وصلت إلى هنا، متسخا بثياب رثة وبدون أمتعة تقريبا، كنت أبدو كمسافر استنزفته كثرة المحن المتعاقبة، كمن صادف الموت عدة مرات في دربه.
لقد بدوت فقيرا أكثر من كوني عجوزا، فلا شيء كان ليميزني عن هؤلاء النزلاء الجدد الذين طردهم الجفاف والكوارث والأوبئة.
احتفظت بأفكاري و بأسرار ماضيّ المجيد لنفسي، فكان قلة فقط من يعرفون حقا وبدقة من أكون ومن أين أتيت ومما فررت؟ هل من اضطهاد؟ أو ثأر عائلي؟ أم ديون؟

مهما يكن، ففي بداية إقامتي هنا، بدا لي كل شيء رائعا ولم أشعر بأني تعيس. لقد سكنت غرفة صغيرة ومظلمة في الطابق الأول لمنزل بالمدينة “القديمة”، غير بعيد عن الميناء، وسط حي مكتظ وفقير. كما أن الوقت لم يأخذ مني الكثير كي أصير مألوفا لدى كائنات وأماكن مدينة الرياح.

كان صاحب الغرفة عجوزا أمازيغيا، وقد داوم على زيارتي بانتظام ليتأكد من أنني “لست في خصاص ما”. لقد كان مضيافا وكريما وأحيانا مضحكا، رغم أنني لم أتبادل معه أكثر من كلمتين متتابعتين.

في الشارع، كنت أشعر بأني محل “ترحاب”، و ربما محل بعض التقدير والمحبة من طرف الأشخاص القلائل الذين بدأت أتعرف عليهم. إلا أنه، لم يتبادر إلى ذهني قط أنني سأبقى محبوسا بين الجدران الأربعة لهذه القلعة العظيمة إلى الأبد.

كلما مر الوقت، كلما اقتربت لحظة نزولي إلى الجحيم. كان لدي إحساس وكأن الحياة تقوم بإعدادي لرحلتي الأخيرة. فقط كنت أتساءل كيف ستكون النهاية؟
صارت أفكاري أكثر ارتباكا، وعاودتني مخاوفي كأمواج تزداد علوا وظلمة أكثر فأكثر.

بدأت أشاهد هذه المدينة، و حياتي البطيئة الحزينة الغربية، وهما تمضيان بلا أفق. أحسست وكأنني لا أعرف حتى منذ متى وأنا هنا، فلربما كنت هنا منذ الأزل على ما يبدو!

يجب عليّ الاعتراف بأنني قد سمحت – مع مرور الشهور والسنوات – لنفسي بالسير نحو الفشل، كما انحدرت ببطء نحو الشك وحتى نحو اليأس. وجدت نفسي أنحرف رويدا رويدا تجاه حياة أخرى، نحو موت بطيء ومرجح.
لم أرغب سوى بتوقف الزمن، وددت لو أختفي. و لم أتوقف عن مخاطبة نفسي وتذكيرها بكوني أعيش أسوأ لحظات وجودي، إذ لم يسبق أن شعرت بمثل هذه التعاسة والوحدة كما أحس الآن. كنت أعلم أنه حتى لو تمكنت ذات يوم من مغادرة هذه الهاوية، فلا شيء سيكون كما في السابق.

في بعض الأوقات، صارت الحياة لا تمثل لي أي قيمة. وكم تساءلت عن الفائدة التي قد أجنيها من مواصلة العيش وإطالة معاناتي وعذابي؟ ما فائدة الرغبة في استمراري على قيد الحياة حين يمكن للاختفاء وضع حد لإخفاقاتي ومآسي؟

نادرًا ما كنت أتمنى ألا يظل الوقت ثابتًا وأن يتسارع قليلاً، وأن أجد مرة أخرى إيقاعي، و أستعيد الرغبة في الخروج من قلقي ووحدتي.
خلال تلك السنوات الطويلة، كانت الكتب رفقتي الوحيدة و الكحول طوق نجاتي الأوحد.

اليوم، ما زلت ألوم السلطات الاستعمارية الفرنسية على استمرار إبقائي هنا محرومًا من حريتي و إرغامي على أن أعيش حياة منعزلة عن الآخرين.

مقتطف من الفصل الأول للرواية التاريخية “l’exilé de mogador ” “منفي موكادور ” التي تتمحور حول حياة أحد أهم رجال الثورة الريفية، وهي رواية من تأليف الطبيب الريفي امحمذ لشقر

 

الوسوم

مقالات ذات صلة