أقلام حرة

ناصر الزفزافي: صوت الريف المعاند

محمد أمزيان

حينما انبرى وسط الوجوه الغاضبة ليلة طحن محسن فكري في حاوية للنفايات، كان ناصر الزفزافي واحدا من بين مئات الشباب الريفي الذي أوصلته تصرفات المخزن الوطني والمخزن المحلي إلى حافة اليأس. كانت مطالب المحتجين تلك الليلة واضحة مثل وضوح الشمس في كبد السماء: محاسبة المسؤولين عن تصفية الشهيد محسن فكري بتلك الطريقة البشعة، عن طريق تقديمهم للقضاء.

غير أن اللاعبين الكبار خلف الستار، كانت لهم حسابات أخرى. كانت هناك نيات مبيتة لتحويل الريف إلى ميدان معركة سياسيوية بين متصارعين من خارج الريف، يظهرون ويختفون، مخلفين وراءهم مشاهد من الدمار المعنوي والفوضى غير الخلاقة وضبابية سياسية تعمي الأبصار. لقد أدى استخدام الريف كأرضية لمعركة سياسيوية “خارجية”، إلى تعميق معاناة الريفيين وتقديمهم إلى مقصلة سوء الفهم بدم بارد، بتعزيز تهمة “التمرد” تارة و”الانفصال” تارة أخرى، وما إلى ذلك من آيات الزور والشيطنة، والتي راحت بعض المنابر التحزبية والإعلامية ترددها دون استحياء..وكان المركز مرة أخرى للريفيين خذولا.
لقد كان بالإمكان تلبية ذلك المطلب الآني والمشروع، لكونه مطلب واضح وبسيط، حقق إجماعا محليا منقطع النظير، فضلا عن كونه مطلبا لا يلبس لبوسا سياسيوية ضيقة أو لونا ثقافيا شاذا أو طقسا إثنيا ممقوتا .

تجاهل المسؤولون المحليون هذا المطلب، أو لنقل – عن حسن نية – أنهم أبطأوا في تلبيته انتظارا للأوامر التي تأتي من وراء حجاب التهم الجاهزة، والكل يعلم أن القرارات في بلادنا، مهما كانت صغيرة وتافهة أحيانًا، لا يمكن البت فيها محليا ولا حتى جهويا إلا بتزكية من الماسكين بخيوط اللعب البعيدين عن هموم المواطنين. هذا التجاهل أو التباطؤ، اعتبره الريفيون – بناء على تجارب سابقة – إمعانا في الحگرة. وما كان على الغاضبين، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي الذي استطاع، بصراحته وخطاباته التي دخلت قلوب الريفيين بلا ترغيب أو ترهيب، إلا أن يواصلوا أساليب الاحتجاج التي أبدعوا فيها لدرجة أبهرت المناوئين اللحراك قبل المتعاطفين معه. وقد نجح ناصر في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال نبض الشارع الريفي إلى أبعد الأصقاع، سواء في داخل الريف والمغرب، أو خارج الحدود.

ومع تنامي زخم الحراك من حيث أعداد المنخرطين فيه أو من حيث تبلور مطالب اجتماعية وثقافية واقتصادية، فضلا عن مطلب تقديم المسؤولين عن اغتيال محسن فكري للقضاء، تنامى في المقابل التجاهل والترقب من المركز الذي لم يقف مكتوف الأيدي أو ظل متفرجا على هامش الزخم الشعبي، بل حرك آلته القديمة/الجديدة، وصارت تدور بكامل قوتها لترتيب مرحلة ما بعد الانتخابات من جهة، ومن جهة أخرى “انتظار” ما سيؤول إليه مسار الحراك الشعبي مع مرور الوقت، وما قد يرتكبه نشطاؤه من “أخطاء” تخرجه من دائرة الاحتجاج السلمي إلى دائرة الخروج عن القوانين المعمول بها، وبالتالي الخروج عن “الثوابت” التي تتمدد وتقلص حسب تأويلات المركز بطبيعة الحال.

وكانت وسائل الإعلام المحسوبة على “الوطن”، إلا القليل منها، قد أخذت في شيطنة الحراك والحراكيين وكانها كانت تهيئ لسيناريو قاتم. ومع ذلك لم ييأس الريفيون من إيجاد مخرج. “إذا حققوا مطالبنا سنعود لبيوتنا”، هذا ما أكده ناصر الزفزافي حينما حاورناه (لبيب وأنا) في مقهى الفقيري “ميرادور” (الصورة). في ذلك اللقاء الأول والأخير معه، كان الزفزافي واضحا في أقواله وأفكاره، وكان على قناعة تامة بأن ما يقوم به مع رفاقه حق مشروع. إلا أن الحق ليس هو كل شيء إذا لم يكن هناك من يعترف به ويقدره في ميزان العدالة الاجتماعية والمواطنة التي -من المفترض – أن تكون حقا مشاعا بين جميع المغاربة.

وتمضي شهور من التوتر والقلق والترقب، وفي لحظة ما ظهر أن هناك ارتباك ما في تصور المركز بعد تطور الحراك إلى دينامية جماهيرية انخرطت فيه كل فئات المجتمع الريفي من الذكور والإناث والشباب والشيوخ، وذابت فيه الألوان السياسية المحلية. وفي تلك اللحظات الحرجة خرجت عدة مبادرات للوجود، لكن التعنت والعناد أفشلاها جميعها، وقد بدا الكثير من تلك المبادرات أنها عُدَّت “كسبا” للوقت، أو فقط مبادرات بغرض التعرف على وجهات نظر أخرى من أجل الاستئناس بها ليس إلا.

وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من تلك التجاذبات بين الحراكيين والمخزن و”الوسطاء”، فإنه من الواضح أن المخزن لا يريد أن “ُتفرض” عليه مخارج للأزمة، وإنما يريد، كعادته، أن يكرس صورته التقليدية باعتباره صاحب المنة، وما على الآخر إلا أن يقبل بها، شاكرا حامدا ولم لا ساجدا. وهو تقليد مخزني عتيق تمتثل له المنظومة السياسية بكاملها، والتي لا تستند في جوهرها إلى دولة بالمفهوم المدني للمصطلح، وإنما للتقاليد السياسية المتوارثة من عصور الاستبداد بكل أشكاله؛ المظلم والمتنور.

وإذا كان هذا النهج في التدبير السياسي قد ساد في زمن تاريخي ما، فإن الأمور تغيرت الآن، أو على الأقل تغيرت شكليا، وخاصة بعد الدستور الأخير الذي أبرز دورا مهما وأساسيًا للمؤسسات والسلط، فضلا عن تركيزه على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهذا بالضبط ما كان المحتجون يطالبون به قبل أن تتطور الأمور إلى حراك عام.

لقد أدى الزفزافي ورفاقه ثمنا باهضا وهم يقفون في وجه كل ما هو رسمي، بل حتى الأحزاب السياسية “أفتت” بخروج الحراك عن جادة الصواب الرسمي، وبالتالي يتوجب مواجهته بلا رحمة أو رأفة، حتى ولو اعترفت تلك الأحزاب – في تناقض صارخ مع نفسها – بمشروعية المطالب المرفوعة. هذه الأحزاب سيذكرها التاريخ بمواقفها المتناقضة والمخجلة، وكأن الريفيين ليسوا مواطنين. هم على كل حال متهمون مهما فعلوا لإثبات براءتهم وانتمائهم لوطن ينبغي أن يحضن للجميع.. أو على الأقل يجب أن يتظاهر بأنه يقبل الاختلاف.

فك الله أسر المعتقلين، وما ذلك على الحق بعزيز.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock