دراسات وأبحاث

نداء عاجل جدا لتدوين ما يمكن تدوينه من التراث الريفي الشفهي

محمد القجيري

نداء عاجل ومستعجل جداً لكل أبناء وبنات الريف الغيورين والحريصين على تاريخهم المعاصر الذي تاه وضل منه زمن طويل دون أن يعرف أكثره طريق التوثيق والتدوين والنشر أن يسارعوا الزمن من أجل تسجيل وتدوين تاريخهم وحفظه بكل الطرق الممكنة قبل أن تطويه الأيام ويمحوه زمن الحياة برحيل ما تبقى من المعمّرين عمراً في الريف. إن تاريخكم الشفهي غير المكتوب وغير المسجل لهو فوق أقلامكم وكاميراتكم وصوتيات تسجيلاتكم في ظل غياب أي مؤسسة اعلامية حرة للريف توثق تاريخكم المعاصر. إن هذا التاريخ الشفوي المهدد بالنسيان والضياع والاندثار في أي لحظة لهو مسؤولية وطنية وتاريخية لكل الريفيين الأحرار. إذا لم تسارعوا قبل فوات الأوان في جمع ما يمكن جمعه وتوثيقه بالصوت والصورة، فلن تعثروا كما للأجيال اللاحقة على أي شيء فاته أمر التسجيل برحيل أكبر المعمرين وعلى الأخص أولئك الذين شاركوا أو كانوا شهود عيان على أحداث عديدة بصّمت تاريخ الريف المعاصر.

أيها الريفيون والريفيات، إن أجدادكم حافظوا على تراثهم الحي جيلاً بعد جيل وتركوا لكم تراثا شفهيا ضخما. واليوم، ونحن في عصر التقنية كما في عصر اخطار الغزو الثقافي ولاسيما القادم من شبه الجزيرة العربية وتوسعاتها القومية تحت رعاية الديكتاتورية العلوية وأعوانها من العبيد والأقنان والعملاء والمخبرين والجواسيس والخونة ولصوص الشعب والمتملقين الطّماعين والراكعين على قياس الزاوية التسعين والساجدين للأرجل ومقبّلي الأيادي ولاحسي الكاپّا وغيرهم كُثر من المتسلّطين على الريفيين والمغاربة الأمازيغ، كما نحن تحت نير حكم مغربي استعماري نرفضه كما يرفضنا ويحاصر تاريخنا ويغزو بلادنا عبر سياسة الاستيطان المهولة وعبر الاستمرار في مغربة وتعريب بلاد الريف واللعب على تغيير البنية الديموغرافية لكل الجماعات الريفية لصالح مكونات عدة من داخل المغرب التي تهدد الكيان الجمعي للريف وخصوصيته، فإن مسؤولية الحفاظ على التراث الوطني الريفي مسؤولية كبيرة تلقي على عاتق كل الأحرار الريفيين فكل واحد مسئول عن تاريخه الشفهي للحفاظ عليه وصونه من أجل أن يتوارثها الأجيال القادمة لضمان استمراريته وتأصيله ونشره كما التعريف به لدى الأجيال الحالية وخصوصا بين ريفيو المهجر الذين لم يسعفهم حظ زمن الوطن المصادر أن يحتضنهم بما يكفي للتشبع بهذا التراث الشعبي الأصيل المولد للهوية الوطنية الريفية.

فسارعوا يا أبناء وبنات الوطن المصادر إلى المحافظة على التاريخ الوطني الريفي وجمعه، وتوثيق الموروث الثقافي الشعبي اللامادي للإنسان الأمازيغي الريفي بكل صنوفه وأشكاله ونشره للتعريف به وإتاحته للعموم عبر بوابات الصحف الرقمية والورقية وعبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وفيديوهات اليوتوب وغيره في أفق الإعلام الريفي المؤسسي، كما العناية بكل الفنون والفلكلور الشعبي والغناء والموسيقى والألحان والرقصات الفنية الشعبية والأهازيج المحلية واللباس التقليدي والطقوس والتعابير الجماعية وكل مظاهر الاحتفالات الريفية التي ترافق هذا التراث القديم المهدد بالزوال والانقراض أمام الزحف الثقافوي الخارحي. فبالإمكانيات البسيطة المتوفرة الآن والتقنيات الحديثة المتاحة لدى كل ريفي وريفية في عصر تكنولوجيا الاعلام والاتصال تستطيعون في أضعف الإيمان استخدام خدمات وتطبيقات هواتفكم النقالة وكاميراتكم أو أي تقنية ذكية أخرى متاحة لكم في سبيل تسجيل مورثوكم الشفهي اللامادي وتدوينه وتوثيقه كما تدوين روايات شهود عيان لمختلف الأحداث التاريخية التي شهدها الريف وتجميع ما استطعتم إليه سبيلا من تراثكم الشعبي المتنوع، الغني والزاخر بعاداته وتقاليده وحكاياته بتسجيل أعظم الروايات الشفوية التي تختزنه ذكريات أجدادكم وجداتكم أو أي شخص آخر تعرفونه شاهدا على عصره. اسألوا عنه وسألوه خبيرا عن ريف الماضي ليدلوا ما بدلوه بصدق وأمانة عن كل تفاصيل الزمان والمكان اللذين عاش فيهما وطالوهما النسيان. اسألوا أهل العصر في مقابلاتكم واستجواباتكم عن كل شيء يخص ذلك الكل المتكامل من مكونات التراث الشعبي الذي تتشابك فيه عناصرها ومكوناتها مع ماضي اريفيان: تاريخهم وتقاليدهم وعاداتهم وأخلاقهم وآدابهم وسلوكياتهم وتمثلاتهم وأعراف قبائلهم وأعيادهم الوطنية وطقوسهم الاحتفالية ومعتقداتهم الشعبية وتنظيماتهم الاجتماعية وحرفهم ومهارتهم وكل مظاهر حياتهم اليومية….الخ.

أيها الغيورين من أبناء الريف، إن كل ما هو مدون حتى الآن للريف من آلاف الاصدارات المتاحة أو غير المتاحة وحتى تلك الممنوعة في ريفكم المصادر هو تكرار التكرار لمواضيع ضئيلة بعناوين كثيرة وصيغ مختلفة لا يضاهي شيئا كقطرة ماء من البحر عما هو شفهي غير مدوّن من هذا التاريخ الريفي الشفوي الغني والمتنوع كحلقات مفقودة تعيش لحظات احتضار أخرى في مكان وزمان آخرين. أَلَا إنكم لن تخسروا شيئا إذا جلستما أحد المعمرين الكبار ودوّنتم ما تيسّر من تراثكم وتاريخكم العريق الذي لا يزال مفقودا في كثير من أبوابه وفصوله ومباحثه بتشكيلاته المتعددة. انتصروا لتراثكم وتاريخكم بمقالاتكم وإصدارتكم وإذا لم تستطيعوا الأخذ بلغة القلم فاستخدموا تسجيلاتكم الصوتية أو المرئية وانشروا محتويات التدوين بالصوت أو عبر صور ولقطات التصوير المتحرك أو بهم معا نصرة للتاريخ والهوية. إنه من الأهمية بمكان أن يحتل هذا التدوين المرئي للمنسيّ الريفي حيّزا مهما ومشروعا منشودا بين الغيورين الريفيين على تراثهم المحاصر من خلال توثيقه وإعداده على شكل مقاطع فيديوهات لكي ينشر فيتاح للجميع كما للأجيال القادمة أو يعاد توليفه وتركيبه يوما ما عندما تكون لدينا نحن، كأخر الشعوب المستعمرة، قناة تلفزيونية نحسبها بعد فوات الأوان ورحيل من رحل من الذين فتاهم التسجيل من حفظة التراث الذين كانوا شهودا على ذكريات عصرهم. فلن تجدوا عندئذ شيئا باقيا تتطلع عليه عيناكما مع مرور زمن الحاضر عما يعادل صور الماضي الغابر للأحداث مثلما بتُّما في يوم الريف هذا تعانون من ندرة تسجيلات وفيديوهات وصور القرن الماضي كمحطتي 59 و 84 على سبيل المثال، إلا ما سيوفرُ من تسجيلات أنشدناها اليوم للهواة الغيورين على تاريخهم، تُهمل في زماننا. أَلَا إن هذه التسجيلات المنشودة ستشكل غداً ركيزة أساسية ومدخلا لأي مشروع إنتاج تلفزيوني ريفي عبر تقنيات المونتاج وعبر أجهزة حديثة تتحكم في اللقطات والمَشاهِد التي تم تصويرها عندما سيسحق المستقبل ذلكم الماضي الزمني للأحداث وتندر مثيلات تلك الصور كما هو الشأن اليوم مع الصور القليلة جداً لمحطات ريف الجمهورية وريف انتفاضات القرن العشرين غير المتوفرة أو المحاصرة، وفي أفضل الأحوال يتم الإفراج عن بعضها بعد انتظار سنوات كثيرة لكن ليس لعموم الريفيين وإنما لمزادات البيع العلني في المواقع الإلكترونية العابرة للقارات. ومما لاشك فيه، فإن مثل هذه الأعمال في تدوين ما يمكن تدوينه من التراث الريفي المنسي بمختلف الطرق المؤدية إلى الحفظ والتوثيق ستشكل بالتأكيد كنزاً ثميناً مشرقاً ومضافا للخزانة الريفية. والحال هذه، لا يضاهي أي تأليف لما هو منسيّ غير مدوّن وغير مكتوب من تاريخ الريف بأي ثمنٍ ولا بألف كتابٍ أعدّ للإصدار عن طريق إعادة استهلاك المعطيات المتوفرة في كتب سابقة.

أيها الباحثون والطلبة الريفيون، إن مؤرخو المغرب بكل تلوينهم وأصنافهم وبدون استثناء حتى أولئك الكتاب والمؤلفين؛ أصحاب كل تلك الكتب والمنشورات التي أصدرت في العقود الأخيرة من المطابع المغربية حول تاريخ الريف فكلهم يعيثون تزييفاً وتزويراً في تاريخكم وخصوصا في تاريخ دولة أجدادكم؛ تلكم الجمهورية الريفية التي تعرضت لأبشع وأفظع أنواع وأشكال الاحتلال والتزييف والتضليل، ويحاولون جاهدين بكل الوسائل وشتى الطرق القضاء على قضيتكم الوطنية وتشويه ماضيكم الحافل بالأمجاد والبطولات وطمس هويتكم الريفية الأمازيغية وذاكرتكم الجماعية وتجهيل شعبكم المكبّل بكل أراجيفهم التضليلية. واجهوهم بقوة الحجة والدليل والبرهان في أي مكان، واظهروا عداوتكم لأراجيفهم تحت راية العلم والمعرفة، واكتسحوا الجامعات والمراكز والمعاهد العليا وقاوموهم ببحوثكم الميدانية وأطاريحكم ورسائلكم الجامعية وإصدارتكم العلمية. انطلقوا بقوة وعزم وإيمان بقضيتكم العادلة والمشروعة سُراعاً بين جبال الريف شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وواصلوا الليل بالنهار ولا تؤجلوا عملكم للغد استفيدوا من كل لحظة من وقتكم واجمعوا تاريخكم الشفهي المبدد بأمانة وسجّلوا الشهادات بالصوت والصورة لما لها من قيمة علمية كمصدر أساسي للتاريخ، واقتحموا بهمّة عالية كل المؤسسات الدولية التي تحوي مخازنها على أرشيف جمهوريتكم المسلوبة، وانكبوا بشوق وحماسة على قراءة ومراجعة أمهات المصادر والمراجع التي تناولت الريف كفضاء وزمان ومجال ومجموعة لموضوع الدراسة، واجتهدوا وابذلوا وثابروا بإصرار وبكل عزيمة على دراسة التراث المادي واللامادي كما الوثائق الثمينة والمخطوطات القديمة وكل المادة المستفادة، ولا تيأسوا وامضوا في شتى فروع المعرفة والبحث والتنقيب واعتكفوا لتاريخكم مخلصين له التدوين، واسهروا الليالي في البحث والتحليل والتركيب والوصف للأحداث والوقائع السياسية ومختلف الظواهر الاجتماعية كما التمحيص والنقد والتعليق والمقارنة والمراجعة واستنباط الحقائق ودحر كل الأراجيف والأباطيل والأضاليل والأكاذيب والترهات والافتراءات والخرافات التي روج لها أعداء وخصوم الجمهورية الريفية ولفقها المحسوبين على الاستعمار فدسّت في تاريخكم الأصيل، فاثبُتوا أنفسكم بسلاح المعرفة والعلم أنكم عاقدون العزم على الإنجاز والتدوين وإعادة كتابة كل مراحل تاريخكم المنسي بأرشيفكم الذي هو كوّمتم بما سيحميكم من غدارات الزمان لا بأراجيفهم.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock