ثقافة

هذا الفنان الكبير الذي تعرض للمطاردة في سنوات الثمانينات

سعيد دالوح

خلال جولتي في أوروبا، التقيت في مدينة بلباو الباسكية في شمال اسبانيا.. بأحد اعمدة الأغنية الريفية.. التقيته صدفة مع أبناء قريتي ايث عبدالله، الذين يتواجدون في هذه المدينة..
هذا الفنان الكبير الذي تعرض للمطاردة في سنوات الثمانينات، وبطشوا باهله.. اعتقلوا اخته وأقاربه.. وقضى ايام وشهور في الجبال والكهوف.. هربا من الملاحقة.. وكان رأسه مطلوبا في تلك الأجواء المشحونة بالاختطاف والاعتقال، وكم من مناضل اختطف في جوف الليل لم يظهر له اثر حتى اليوم..
ونحن نكتب على هذه القامة الفنية والنضالية، في مدينة الناظور.. لابد ان نستحضر أحداث الأليمة التي عاشها الريف في تلك الفترة.. بعدما انفجرت انتفاضة شعبية في الحسيمة، قادها التلاميذ سرعان ما انضم إليها البحارة والعمال.. وعموم الشعب.. هذه التظاهرات انتقلت كالنار في الهشيم الي مدينة الناظور.. ورفعت شعار ” هذا عار، هذا عار، الحسيمة في خطر..

الناظور.. او” لقباير” .. كما اعتدنا ان نطلق عليه، نحن في قبائل الريف الأوسط.. كان دائما ظهيرا.. للحسيمة، في ألايام الصعبة التي تمر بها.. ولنا شواهد كثيرة من التاريخ.. ليس اخرها.. الوقفة الرجولية والاخوية.. لإخواننا في الناظور والنواحي.. ايام الزلزال التي ضرب الريف الأوسط في عام 2004
حسن ثبرينت.. ليس فنان مبدعا فحسب، عرف كيف يلاعب أنامله باوتار العود … ابدع في الأغنية الملتزمة.. بل كان مناضلا.. يدافع عن الفقراء والمستضعفين.. وتناول هذه المعاناة في كل اغانيه .. وهذا يشكل خطرا وتهديدا عليهم ..لأن تأثيره في الجماهير الشعبية تأثيرا لا حدود له.. الفنان الذي يملك القضية.. ويصدح بصوته، ولا يتزلف الي أصحاب المال والسلطة .. لا يريدنه..يسعون بكل ما اتوا من قوة.. ومن جهد.. الي خنق هذا الصوت.. ومنعه من ان يغني…هم يريدون الفن الذي يحرك الارداف.. ويثير الغرائز.. الفن الهابط المبتذل، هذا الفن، نعم مرحب به.. ويفتحون له كل وسائل الدعاية.. حتى يحولون مسوخ الي نجوم الفن والاغنية..
اما الفن والاغنية التي تغني للإنسان.. وتعكس جزءا من معاناته، وتفضح الظلم والاستبداد.. والاستغلال.. هذه الأغنية، مرفوضة ،لا يجب ان تنتشر، يجب ان تمنع، ويطارد رموزها..
حسن الفنان الهادئ الطيب.. مازال تعلو محياه ابتسامة عريضة..رغم تعاقب السنين.. استطاع ان ينجو بجلده في تلك الفترة الرهيبة، من تاريخ الريف، وسط دعوات امه، وابتهالتها الليلة الي الله، ان يحرسه في الوديان والغيران، التي كان يحتمي بها، في محيط مليلية ، من ملاحقة الذئاب له ، .. استطاع ان يصل اخيرا الي بإسبانيا.. قضى فيها عقدا كاملا من الزمن في منفاه..رحل الأحبة دون ان يراهم ويودعهم..

الشيخ حسن، كما كنت احب ان اناديه .. كان من الأوائل الذين غنوا بالأمازيغية الريفية.. في السبعينات من القرن الماضي، لم يسبقه احد.. وكل الذين جاءوا من بعده اخذوا منه.. غنى للارض والتراث.. غنى للإنسان والعدالة الاجتماعية المفقودة، و غنى للمرأة .. صوت حنجرته الشجي .. يبعث في النفس .. أحزان الماضي.. الي حد البكاء.. مقاهي بلباو وحناتها.. ادمنت على أغانيها..
في الاخير لايسعنا ان نوجه دعوة من خلال هذه الصفحة الي تكريم هذا الفنان الكبير، الذي طاله النسيان.. ان يعمد الريفيون في أروبا الي تنظيم حفل تكريم له، يليق بمقامه الفني ..ان يسلط الضوء على تاريخ الأغنية الريفية وتطورها.. ويسلط الضوء أكثر على هذا الفنان المنسي.. ويعيد هذا الحفل التكريمي شيئا من العرفان لهذا الفنان الملتزم..

 

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock