أخبار دولية

مطالبة فرنسا بـ«الاعتذار» عن الاستعمار تقسّم البرلمان التونسي

متابعة حراك الريف

في أجواء طغى عليها الخلاف السياسي، عقد البرلمان التونسي، أمس، جلسة عامة، خصصها لـ«مطالبة الدولة الفرنسية بالاعتذار للشعب التونسي عن جرائمها في حقبة الاستعمار المباشر وبعدها».
وانطلقت الجلسة بحضور 76 نائباً من إجمالي 217 نائب في البرلمان، في ظل مخاوف من تأثر العلاقات التونسية – الفرنسية جراء تقديم هذه اللائحة، فيما عدّ عدد من النواب أن هذه اللائحة تدخل في صلاحيات رئيس الجمهورية لأنها تندرج ضمن «السياسة الخارجية للبلاد».
وأكدت كتلة «ائتلاف الكرامة»، صاحب المبادرة البرلمانية، وحزب «قلب تونس»، أنهما تقدما بطلب استشارة، وراسلوا رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة لمعرفة موقفيهما من هذه اللائحة. لكن الرد تأخر وهو ما عدّاه «قبولاً من حيث المبدأ»، بحسبان أن البرلمان له السلطة الكاملة في التصويت على اللوائح التي تقدم له. ولم يصدر عن الرئاسة التونسية أو رئاسة الحكومة أي موقف رسمي حتى اليوم.
وفيما طلب أسامة الخليفي، رئيس كتلة «قلب تونس»، رفع أشغال جلسة أمس للاتصال برئاسة الجمهورية، ومعرفة موقفها من مشروع اللائحة بحسبان أن هذا الموضوع من صلاحيات رئيس الجمهورية حسب دستور 2014، لمح أكثر من طرف سياسي إلى أن فرنسا تمثل الشريك الاقتصادي الأول لتونس، وأن الإصرار على اعتذار الطرف الفرنسي، «ستكون له انعكاساته السلبية على الاستثمارات الفرنسية في تونس، وعلى أكبر جالية تونسية مقيمة في فرنسا». لكن سيف الدين مخلوف، رئيس كتلة «ائتلاف الكرامة»، (إسلامي معارض)، تمسك بموقفه بمطالبة الدولة الفرنسية بالاعتذار من الشعب التونسي عن جرائمها في حقبة الاستعمار المباشر وبعده، وتعويضه عن «جرائم قتل واغتيال وتعذيب واغتصاب، ونفي وتهجير قسري، ونهب للثروات الطبيعية والأملاك الخاصة، ودعم صريح للاستبداد والديكتاتورية».
وأكد مخلوف أن رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يتفاعل مع لائحة مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائم الاستعمار في تونس، وقال: «سعيد لم يدعمنا رغم تقديم نص اللائحة إليه قبل عرضها على الجلسة العامة في البرلمان»، عادّاً أن الاعتذار «حق نبيل، وقد سبق لفرنسا أن طلبت اعتذار ألمانيا بخصوص وقائع الحرب العالمية الثانية»، على حد تعبيره.
وقال علي العريض، الذي شغل منصب رئيس الحكومة بين عامي 2013 و2014، إن «طرح هذه المسألة اليوم وفي هذه المناخات لا أتوقع أن ينتج عنه غير الإضرار بمصالح تونس والتونسيين، وعلاقاتنا مع الدولة والمجتمع الفرنسي، والزج بهذه العلاقات متعددة الأوجه في أتون المزايدات والتشويش»، مبرزاً أن «اللائحة جاءت في غير وقتها ودون توفر شروطها، ولا الظروف المناسبة لها، ولا تشارك مؤسسات الدولة، ولا سيما رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجية فيها، كما أراها مضرة بالمصالح العليا لبلادنا في تونس وفي فرنسا على الأقل».
في المقابل، طالب الحزب الدستوري الحرّ (معارض) بحذف المطالب المادية من لائحة الاعتذار؛ لأن مناضلي الحركة التحريرية في تونس لا يطالبون بمقابل مادي عن نضالهم، ودعا إلى «مراجعة الاتفاقيات بين تونس وفرنسا المتعلقة بثروات الملح والبترول لتحسين مردوديتها على التونسيين، وأن تكون الطلبات صادرة عن رئيس الجمهورية بدلاً من البرلمان».
وانتقدت عبير موسي، رئيسة «الدستوري الحر»، تغيب عدد كبير من نواب «حركة النهضة» (إسلامية) عن حضور الجلسة البرلمانية، وعدّت ذلك محاولة للتهرب من الموضوع. لكن ظهر من خلال تدخلات عدد من نواب «النهضة»، أن الحركة لا تبدو متحمسة كثيراً لهذه اللائحة.
من جهته، عدّ حسين الجزيري، رئيس «حزب الرحمة» الإسلامي المعارض، أن اللائحة المقدمة للبرلمان «لائحة الذل والعار… ومن الضروري الاعتذار، وجرّ فرنسا إلى المحاكم الدولية للاعتراف بالجرائم البشعة التي ارتكبتها»، على حد قوله.
وتنص اللائحة، التي قدمتها كتلة «الائتلاف» على أن يعلن البرلمان التونسي مطالبته للدولة الفرنسيّة بإعلان اعتذارها الرسمي والعلني عن كل ما اقترفته في حق الدولة التونسية، وفي حق الشعب التونسي زمن الاحتلال المباشر وبعده، وأن «تبادر الدولة الفرنسيّة بتعويض الدولة التونسية وكل المتضررين عن الجرائم المذكورة تعويضاً عادلاً مجزياً، طبق لما تقتضيه القوانين والأعراف الدولية، وأن تضع على ذمة الدولة التونسية والباحثين كامل الأرشيف الرسمي المتعلّق بتلك الحقبة السوداء حتى تعي الأجيال الجديدة مساوئ الاستعمار ولا تتكرّر مآسيه». كما أكدت اللائحة أن الاعتذار سيكون «مناسبة لطي صفحة الماضي الاستعماري، وأن يؤسس لعلاقات أكثر متانة ووثوقاً».

الوسوم