أقلام حرة

سعيد الخطابي: شخصية دبلوماسية تعرضت لسوء فهم كبير

محمد أمزيان

التقيته آخر مرة في ندوة في القنطيرة، كانت صحته متدهورة جدا ولم يلبث أن توفي أواخر سنة ٢٠٠٧.

الأمير سعيد الخطابي شخصية هادئة، دبلوماسي ماهر، يعرف كيف يعبر عن رأيه بعقل وعقلانية دون تفجير تلك الشحنة العاطفية التي يتميز بها معظم الريفيين. تشرب تاريخ والده النضالي حتى النخاع، إلا أنه لم يكن من ذلك الصنف الذي يبحث عن الصدامات المجانية. في أعقاب استقباله من طرف الملك محمد السادس في الحسيمة عام ٢٠٠٢ على ما أتذكر، نطق بقولته المشهورة التي تناقلتها عنه الصحف المغربية: المخزن لا يثق في الريف، والريف لا يثق في المخزن. وإنها لمقولة ذات حمولة مكثفة، وفيها لخص الراحل سعيد الخطابي مكمن الأزمة العميقة بين الريف والمركز.

أتذكر أنه حينما كنت رئيسا لجمعية بادس في مدينة روزندال الهولندية، قررنا تنظيم ندوة علمية دولية عن الريف والحرب التحريرية التي قادها والده الأمير محمد عبد الكريم الخطابي. كان مشاركًا في تنظيم تلك الندوة عدد من الجمعيات المغربية في هولندا بالتعاون مع جامعة ليدن. وفكرنا آنذاك في أن نأتي بجديد بدل الاكتفاء بتقديم ما هو معروف من دراسات يعاد عجنها وتمحيصها وفق تصورات ومناهج جديدة. كنت أعلم بوجود تسجيلات صوتية للأمير الخطابي التي كان يبثها عبر إذاعة صوت العرب في القاهرة. فتحملت آنذاك مهمة الاتصال بالأمير سعيد لدعوته كضيف شرف، وطلبت منه في الوقت نفسه أن يمدنا بتسجيل صوتي لوالده، فوافق. ثم كلف صديقه فاتح الناصري للاتصال بماس بيرو (مقر الإذاعة والتلفزيون المصري الرسمي في القاهرة) لترتيب الأمر. وقبل يوم أو يومين من موعد سفره من القاهرة إلى أمستردام، سأل المرحوم سعيد صديقه فاتح الناصري حول ما إذا كان قد حصل على التسجيل، وكان الجواب سلبيا، وهذا ما أغضب الأمير سعيد فقرر التوجه بنفسه إلى مقر الإذاعة المصرية.

حكى لي السيد فاتح الناصري في هولندا بعد ذلك، أنه كان بالإمكان للأمير سعيد أن يهاتف أصدقاءه في أعلى المستوى لإصدار أمر للقيمين على الإذاعة لتجهيز التسجيل، إلا أنه قرر الذهاب بنفسه. وبمجرد وصوله قُدمت له الاعتذارات، وحصل على تسجيل بصوت والده على “الكاسيت” مدته لا تتعدى ثلاث دقائق، وهو نفس التسجيل الذي يتم تداوله مؤخرا في وسائل التواصل الاجتماعي. ومع الأسف فقد ضاع مني التسجيل الأصلي ولا أتوفر إلا على “سي دي” كان قد أعاد تسجيله في القاعة عند عرض الصوت على الحاضرين، الصديق مصطفى بوحكان الذي كان يعمل مصورًا ومعدًا للبرامج في التلفزيون الهولندي. والصديق بوحكان هو الذي أنجز للقناة الهولندية وثائقيًا في حلقتين عن الأمير الخطابي أواخر التسعينات من القرن الماضي.

عندما استقبلت الأمير سعيد في مطار أمستردام الدولي، كان برفقته صديقه فاتح الناصري وابنه طارق الخطابي، ثم نقلتهم بالسيارة إلى فندق بسيط في مدينة برخن أول زوم، ثم استقبلته في بيتي في روزندال، وكان شخصًا متواضعًا جدا، باسمًا وهادئًا وخلوقًا. وكان صديقه فاتح الناصري يحب التحدث إلي لأنني أذكِّره بوالدي الذي كان صديقًا له في القاهرة. وأذكر أن السيد فاتح الناصري قال للأمير سعيد: ألم تلاحظ أن صوت هذا الشاب يشبه صوت القائد أمزيان؟ ولقب “القائد” كان أطلقه الأمير الخطابي على الوالد حينما زاره في القاهرة عام ١٩٦٠ عقب فشل انتفاضة الريف.

في اليوم التالي طلب الأمير سعيد أن ينتقل لأمستردام حيث حجز هناك فندقًا وسط المدينة، وهو الذي تكفل بدفع تكاليف الفندق والأكل وما إلى ذلك.

الأمير سعيد كاتب وصحافي أيضا، إلى جانب معرفته الواسعة في مجال التحف الأثرية واللوحات الفنية، وهو تخصص كان قد درسه في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتقن عدة لغات: الفرنسية والإنجليزية والعربية فضلا عن الريفية التي يتحدث بها كل أبناء الأمير بفضل والدتهم بصفة خاصة.

غير أن الأمير سعيد تعرض في حياته لكثير من الانتقادات بسبب عدم صداميته مع الأنظمة السياسية، وخاصة النظام السياسي في المغرب. وكان في نظر منتقديه “ممخزنا”، وأنه “باع” إرث والده، بل وصل الأمر إلى حد اتهامه بالخيانة!! وهذا في نظري إجحاف كبير في حق هذه الشخصية الكبيرة التي تكاثرت عليها الطعنات لدرجة أن ألسنة السوء ضخمت خلافات بسيطة بينه وبين ابن عمه الكبير عمر الخطابي، فتفاقم الخلاف إلى أعلى مستوى وفشلت معه كل محاولات الوساطة بين الرجلين البارين، الدكتور عمر الخطابي وسعيد الخطابي. وأعتقد أنه في آخر حياتهما تصالحا، فأفشلا بذلك مخططات أصحاب النيات السيئة لإشعال نار الخلافات في بيت آل الخطابي.

من المسائل التي أعتز بها لدى تذكري للمرحوم سعيد الخطابي أنه كتب مقالا في صحيفة مصرية يدافع فيها عني، بعدما تعرضت لانتقاد طال حتى شخصية الأمير عبد الكريم، من قبل كاتب تونسي إثر صدور كتابي الأول: عبد الكريم الخطابي .. آراء ومواقف. وكنت تعرضت في هذا الكتاب بالنقد لدور الحبيب بورقيبة في لجنة تحرير المغرب العربي.

رحم الله الأمير سعيد ورحم كل الذين رحلوا من ذرية الأمير عبد الكريم، وأطال في عمر الأميرة عائشة ومن بقي حيا مما تركه لنا الخطابي من إرث يعد أمانة في عنقنا.

 

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock